منار الرشواني

الإعلام والشرعية المفقودة

تم نشره في الجمعة 2 أيلول / سبتمبر 2005. 03:00 صباحاً

لم نلتفت كثيرا في العالم العربي إلى التقرير الاخير الصادر عن مؤسسة "بيت الحرية" أواخر نيسان من العام الحالي حول "حرية الإعلام" في العالم للعام 2004، والذي أشار إلى أنه من ضمن 19 دولة (بما فيها الأراضي الفلسطينية المحتلة) تقع في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ليس هناك سوى دولة واحدة، وهي الوحيدة غير العربية، أي إسرائيل، التي ينطبق عليها وصف "دولة حرة" على الصعيد الإعلامي، فيما تقع لبنان والكويت في فئة "حرة جزئيا"، أما البقية فجميعها "غير حرة"، مع تباين في انعدام الحرية هذه من بلد عربي لآخر!

تبرير هذا التجاهل، أو حتى عدم المعرفة بالتقرير أصلا، يبدو ممكنا من عدة نواح؛ أولها هو انعدام الحرية ذاتها، وبمفهومها الشامل، عن أغلب البلدان العربية، بحيث يبدو غياب حرية الإعلام مسألة بدهية، وأهون الشرور في مجتمعات لا يأمن فيها الإنسان على حياته وكرامته فكيف بما دونها؟ ومن ناحية ثانية، ربما كان هذا التغييب أو التجاهل مبعثه أن التقرير الأخير لا يضيف أي جديد على تقارير سابقة صادرة عن ذات المنظمة أو عن غيرها، في توصيف واقع لم تع أجيال عربية كاملة سواه!

في المقابل، ومنذ الانسحاب الإسرائيلي من غزة قبل أيام، بدا جليا على الصعيد غير الرسمي تحديدا، ومن خلال عدد غير يسير من المادة الإعلامية المنشورة في الصحافة العربية، الإدراك الواضح للأزمة أو الكارثة الضاربة بجذورها في عالمنا العربي، والمتمثلة في أزمة الإعلام ودوره. لكن هذا الإدراك –وللأسف- تم التعبير عنه ليس من خلال التركيز على عجزنا الإعلامي، بل من خلال إبراز الاستغلال الإسرائيلي الناجح إلى أبعد الحدود للإعلام والمكاسب المترتبة على هذا وذلك على حساب حقوقنا المشروعة. أما على الصعيد الرسمي العربي، فلربما كانت تكفي، وكمثال معبر عن حال غير مسؤول عربي، متابعة المندوب السوري في الأمم المتحدة وهو يعلق رافضا ما جاء في بيان مجلس الامن الدولي حول عدم تعاون سورية بالشكل المطلوب مع لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس وزراء لبنان الاسبق رفيق الحريري؛ إذ بدت لغة المندوب السوري، كما ملامحه، معبرة بالشكل الكافي عن ذات الازمة وهو "يناشد!" (إن لم نقل أكثر من ذلك) وسائل الإعلام إبراز أن سورية تقوم بما هو مطلوب منها!

لكن يبدو أن ما يربط بين تقرير "بيت الحرية" وبين إدراكنا الجديد، لا يعدو أن يكون وحدة موضوع الازمة ومحورها، وكل ما عدا ذلك هو مبعث على الاختلاف والخلاف الواضح والجلي. فإذا كان التقرير السابق يركز على مؤشرات الحريات الإعلامية في الداخل، فإن إدراكنا الأخير، الرسمي وغير الرسمي، للأزمة الإعلامية ينصب تماما، وبما يشكل استمرارا لرؤيتنا السابقة، على فعالية مخاطبة الآخر، غير العربي بالتأكيد، من خلال وسائل الإعلام، باعتبارها مسألة منفصلة تماما عن الحرية الإعلامية في الداخل، ولا تمت لها بأية صلة! وانسجاما مع هذا المعتقد، بدا للبعض منا، لا سيما عقب هجمات الحادي عشر من ايلول، أن معالجة هذا الجانب من الازمة (والذي هو من وجهة نظرهم الأزمة بكاملها)، ممكن من خلال التعاقد مع وكالات علاقات عامة أجنبية، أو إقامة علاقة شخصية مع صحافي أميركي أو بريطاني يتولى تلميع صورتنا.

لكن هل فعلا أن أزمة شرعيتنا الإعلامية في الخارج منفصلة عن نظيرتها في الداخل؟ أم أن هذه الأخيرة تبدو في القلب من أزمة شرعيتنا ككل، وفي الداخل كما في الخارج؟

تكفي للإجابة عن الشق الأول من سؤالنا مجموعة أسئلة أخرى: هل كان للإعلام الإسرائيلي أن يمتلك كل هذه القوة المؤثرة في الخارج لولا أنه يتمتع بالمشروعية التامة في الداخل؟ أولسنا في العالم العربي نستقي ما نعتبره "فضائح" سياسية في إسرائيل من ذات وسائل الإعلام الإسرائيلية؟ وتُرى حين نترجم، ويترجم غيرنا، مثل تلك الفضائح، ولربما الانتهاكات الإسرائيلية التي تصل إلى حد الكشف عن مذابح بحق الفلسطينيين، حين نترجمها عن الصحافة الإسرائيلية، فهل نكون فعلا نعري الوجه الحقيقي لإسرائيل، أم أننا نعلي شأنها كدولة ديمقراطية، ولا ندين سوى أنفسنا، في داخلنا على أقل تقدير، عند أول مقارنة معها؟!

أما في الإجابة عن الشق الثاني من سؤالنا، وما إذا كان تغييب حرية الإعلام في الداخل هو أحد أسباب أزمة الشرعية العربية في الداخل والخارج، فهذا السؤال أعفتنا من الإجابة عنه نخبنا الحاكمة ومن ورائها الإدارة الاميركية، حين أقرت أن الاسلوب الأمثل لمواجهة التطرف والإرهاب لابد وأن يكون عبر عملية دمقرطة وإصلاح سياسي، يضمن أول ما يضمن حرية التعبير باشكاله كافة. وجدير بنا رصد العلاقة –العكسية بالتأكيد- بين هذه الحرية، وعلى رأسها حرية الإعلام، وبين أحداث العنف والتطرف في أي بلد يمنح هذه الحرية بشكلها الكامل والمؤثر بحق.

لكن، إذا كان للإعلام أن يمنح الشرعية، في الداخل والخارج، ويكون عامل استقرار، فإنه قبل ذلك يحتاج نفسه إلى شرعية، تتأتى من ناحيتين. الناحية الأولى، هي نقل الحقيقة كما هي. أما الناحية الثانية، والأهم من وجهة نظرنا، رغم أنها معتمدة أساسا على الاولى، فتتمثل في القدرة على توجيه الرأي العام، بل وحتى صناعته.

ومن ثم، فإن "إصلاح الإعلام" لا يكون فقط بإعمال المعايير المتفق عليها التي يحددها تقرير "حرية الإعلام"، والمتمثلة في ثلاث مجموعات من المؤشرات: البيئة القانونية التي تشمل القوانين والأنظمة المؤثرة على الإعلام، والبيئة السياسية من خلال تقييم درجة السيطرة السياسية على محتويات الإعلام، والبيئة الاقتصادية المتعلقة بملكية وسائل الإعلام وتركزها، وتكلفة إنشاء وإنتاج وتوزيع وسيلة إعلامية...، بل لابد وأن يضاف إلى هذه المعايير معيار آخر شديد الأهمية في الحالة العربية تحديدا، وهو عدم ممالأة الكتاب والصحافيين لمشاعر العامة، بحيث يتم استبدال التأثير السلطوي، والذي أسهم بدور كبير في خلق التطرف، بتأثير العوام، الذين يغدون القادة الحقيقيين، إنما دون الاستناد إلى اي منطق أو حقيقة. وبغير هذا المعيار الأخير، مضافا إلى المعايير السابقة، سنظل ندور في حلقة الانتحار الجماعي المفرغة.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق