الشيخ ستيفن

تم نشره في السبت 27 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

انشغلت بعض الفضائيات مؤخرا بقضية حصول دولة عربية على ميدالية ذهبية في بطولة العالم لألعاب القوى. ومصدر الإشكال والجدل، ان هذا الإنجاز العربي جاء على يد افريقي من دولة كينيا! وان ما فعله العرب هو اعطاء هذا العداء الكيني جواز سفر، وطقم لباس يحمل اسم الدولة العربية، ومن ثم علم لف به نفسه بعد فوزه بالمركز الأول.   والمحصلة، انجاز لصالح دولة عربية شقيقة، دخلت به قائمة الدول ذات الميداليات في بطولة العالم.

  هذا النهج في السعي إلى الانجازات يمارسه الكثيرون، من انظمة وحكومات وحتى مجتمعات، ممن يعتقدون ان البحث عن شرعية الانجازات والحضور الدولي والاقليمي يتم عبر شراء ادوات الانجازات. والعداء الكيني ستيفن -الذي اصبح اسمه بعد التعريب الشيخ سيف شاهين- نموذج متكرر في كثير من مفاصل المجتمعات والدول العاجزة عن الانجاز الحقيقي.

  ففي محيطنا العربي انجازات وهمية، لكن اصحابها يحاولون التغطية على ضعف جوهرها بالإكثار من "الاكسسوارات" والخطابات والأغاني واساليب التمجيد، حتى وان كانت على شكل ألعاب نارية او قصائد.   وبعض الهيئات والأنظمة والمجتمعات تعتقد ان الإنجاز يتحقق عبر الاقتداء بأم العروس، التي يضرب بها المثل في الحركة غير المنتجة، لكن ممارسي هذا العمل يعتقدون انهم ينتجون شيئا.

  وفي زمن تردي مصداقية الهياكل السياسية في كثير من الدول امام شعوبها، فإن اللغة القديمة التي كان يتحدث بها الشعراء والخطباء عن شرعية الإنجاز لم تعد مقبولة ضمن السياقات والطرق السابقة. ففي بعض الحالات العربية، كان اصحاب القرار يعتقدون ان بناء مدرسة بمليون دولار مثلا يبني شرعية الإنجاز، اذا رافق افتتاح المشروع عشرات المقالات والاغنيات والبث المباشر. لكن هذه الحال لم تعد ممكنة، كون الناس في كل مكان اصبحت لا تنطلي عليها هذه الأساليب، لأن انفاق مليون في هذا المشروع يجب ان لا يرافقه بذخ شخصي بعدة ملايين، او تضييع سنوات في "رغوة العمل" دون التقدم خطوات حقيقية لحل مشكلات او الوصول الى رقي. ولهذا، نجد في عالمنا النامي دولا بذل قادتها جهودا في الخطابة والترويج لأشخاصهم، اكثر مما عملوا في التنمية، وربما نجد بعضها في القرن الحادي والعشرين تفرح لمشاريع كان يجب ان تكون قبل سنوات طويلة.

  الانجاز الذي يعتقده البعض طريقا إلى تعزيز الشرعية، يفترض ان يعاد النظر في تعريفه. فالإنجاز ليس فقط ما تم انجازه، بل ما كان يمكن انجازه لكن لم يتم تحقيقه لعجز ادارة او فساد، او اي سبب تتحمله حياة هذا المجتمع او ذاك. فاذا كان تمجيد اي انجاز يقابل بالقصائد والأغنيات والحوارات المجاملة، فإن على الشعوب ان تقابل كل ما كان يجب انجازه بما يناسبه ايضا. ومن ثم، فحين تقدم حكومات الدول او احزابها او مجالس ادارة قطاعاتها وشركاتها تقاريرها السنوية عن الانجاز، فانها يجب ان تتحدث ايضا عما كان يمكن انجازه، لكن العجز في القدرات او الفساد او الضعف افشل امكانية تحقيق هذا. وعلى هذه الهيئات والجهات ان تحاسَب على ما اضاعت، لا ان تفرح بما انجزت فقط.

  الشيخ ستيفن وميداليته الذهبية ليسا المثال الأهم على "ثراء الانجازات"، او تضخيم شكلياته على حساب الإنجازات الكبرى، فأينما بحثنا في دولنا ومجتمعاتنا سنجد وَهْم الإنجازات والانجازات الوهمية، لكننا لن نجد من يوثق للإنجازات المهدورة -التي كان من حق الشعوب ان تنعم بها ولم يتحقق لها ذلك- ابتداء من مراحل الخطابات النارية التي عشناها في الخمسينات وما بعدها، حين عاشت الشعوب مراحل النصر في ساحات الاحتفالات، وكان الخطاب الثوري افيونا للشعوب التي اكتشفت ان ابطال الثورية وفرسان الميكروفون هم سبب كل هزيمة، ووراء ضياع كل ارض وهدر الكرامة وتجذر الضعف.

[email protected]

التعليق