الفدرالية نقيض الانفصالية

تم نشره في الاثنين 15 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً

 وضع مسودة الدستور العراقي ليست مسألة أكثرية وأقلية. على قاعدة أن حكم الأغلبية ينبغي أن يسود وأن تلتزم الأقلية بذلك الحكم، فنحن لسنا أمام تشكيل حكومة أغلبية وأقلية معارضة لها. وإنما أمام مشروع يتطلب عقدا رضائيا مشتركا يحدد الصيغة التي يفترض أن تقبل بها مختلف الأطراف والفئات لتؤسس من جديد لنظام سياسي يمثل مظلة لعراق موحد، أو اتحادي كما وضعته مسودة الدستور, والشرط الرئيس لبناء ونجاح الفدرالية يتمثل بسمو قيم العيش المشترك والمصالح الوطنية الموحدة والرغبة العامة في الوحدة والتآلف سواء تم الاتفاق أن يكون العراق فدرالية مكونة من قسمين عربي– كردي أو ثلاثة أقسام شيعي- سني– كردي، أو أية صيغة كانت.

    للأسف المفاوضات التي طغت على اجتماعات لجنة صياغة الدستور، والنقاشات الموازية لها، لا توحي أبدا بتحقيق شروط نجاح فدرالية على غرار الفدراليات الأخرى المعروفة، ومن الواضح أن الذي يسود هو مشروع تفكيك العراق إلى دويلات طائفية وإثنية، ولا تعدو كلمة "الفدرالية" أن تكون اسما حركيا لهذا التقسيم، وما نشهده بوضوح هو سيادة النزعة الانفصالية الطاغية لدى الأكراد ومؤخرا لدى عدد من الشيعة، والأخطر من ذلك هو تنافس الشيعة والأكراد على استثمار ميزان القوى الحالي لتحقيق أكبر مكسب ممكن في صياغة الدستور سواء من خلال توزيع الثروة أو تقاسم الأقاليم الجغرافية أو توجيه القضايا الرئيسة في الدستور والمرتبطة بتحديد هوية العراق الجديد بما يخدم توجهات كل منهما.

    وبالنظر إلى الرؤى والمصالح المتضاربة فإن الأكراد يسعون إلى السيطرة على كامل إقليم كردستان، والنسبة الكبيرة من عائد الثروة النفطية في الإقليم. في المقابل عبّر الحكيم عن مطالب تيار عريض من الشيعة بإقامة إقليم شيعي ممتد من الجنوب إلى الوسط، يقوم على بحر من الثروة النفطية، ووفقا لهذه المطالب فسيكون نصيب السنة منطقة صغيرة في الوسط لا تمتلك أية إمكانيات اقتصادية وثروات طبيعية حقيقية في ظل شروط اقتصادية وسياسية بالغة الصعوبة مما يوفر أرضا خصبة حقيقية لنمو مشاعر الغضب والظلم التي ستتحول إلى حالة ثقافية وسياسية سنية متشددة ترتدي ثوبا دينيا في الغالب. وهذا وذاك سيضع علامات استفهام على حالة الأقليات المختلفة في كردستان من العرب والتركمان والسريانيين وغيرهم، وعلى حالة السنة داخل الإقليم الشيعي المقترح.

    وفي الوقت الذي تشير التسريبات والمعلومات الأخيرة إلى صفقات وتنازلات متبادلة لإعداد مسودة الدستور. إلا أنّ ما هو أخطر من وضع مسودة الدستور هي الحالة الشعبية ذاتها والتي تشهد منذ احتلال العراق عمليات تعبئة متبادلة و"ازدواجية" في خطاب القوى السياسية المختلفة إذ تقدم خطابا تجاه مجتمعاتها المحلية، وخطابا آخر تجاه القوى العراقية الأخرى. بينما تستمر الفجوة بين الطوائف والجماعات المختلفة بالاتساع، وتظهر استطلاعات الرأي لدى كل من الأكراد والشيعة طغيان "النزعة الانفصالية" لديهم، وهي الحقيقة الأخطر والمرشحة لا أن تقضي على وحدة العراق فحسب وإنما بتحويله إلى مناطق صراع وعداء وربما حروب متبادلة أسوأ من اقتراح كيسنجر المتمثل بالدعوة لتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات طائفية وعرقية.

    حتى لو افترضنا أن الجمعية الوطنية تمكنت من الاتفاق على الدستور في أقرب وقت وربما الوقت المحدد 15 آب،  فهذا لا يعني تجنب السيناريوهات الخطيرة، لسببين: الأول أن السنة ما زالوا في مختلف فئاتهم خارج سياق العملية السياسية، مما يهدد بفشل كل العملية، والثاني أن هذه المساومات مبنية على تفضيل المصالح الجهوية والطائفية على المصالح الجامعة، أما السيناريو الراجح فهو أن يتم التوافق على مسودة المشروع في الموعد المحدد مع بقاء بعض المسائل المعلقة، لكن المسألة المعلقة الأهم هي مدى رغبة العراقيين بالعيش المشترك والوحدة الوطنية، وهو ما لا تؤيده المؤشرات الحالية!.

    بالضرورة لا نتوقع أن ينعتق العراقيون قريبا من أشباح الماضي التي تعزز النزعة الانفصالية والتعبئة المتبادلة السلبية، لكن المطلوب، كما ذكر تقرير مجموعة الأزمات الدولية، أن يتم تأجيل إقرار الدستور إلى حين توافر حالة إجماع أوسع من الحالة القائمة من خلال إدماج السنة في العملية السياسية، والتأكيد العام على نزعة العيش المشترك، وذلك هو الضمان الحقيقي والبنية التحتية اللازمة لأي دستور أو مجال سياسي عراقي جديد.

 m.aburumman@alghad.jo

التعليق