الحرب على الإرهاب.. فشل يلد آخر

تم نشره في الأحد 14 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً

من وجهة نظر صديق تنبئ سلوكاته وتصريحاته بأنه "شديد العلمانية"، فإن عظمة الشرق تكمن في عبقريته المتجسدة في "خلق" الأديان، بالنظر إلى كون هذا الشرق هو مهد الديانات السماوية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام (مع إمكانية إضافة الكونفوشيوسية والبوذية، إذا أردنا الحدود الجغرافية الأوسع للشرق). ولو سايرنا هذه الرؤية "افتراضا"، فإن عظمة الشرق الحقيقية لا تكون كامنة في إبداعه للاديان في الواقع، بل في قدرته على الحفاظ على هذه الأديان منذ "ابتداعها!" حتى الآن، وجعلها عالمية تعم الأرض من مشرقها إلى مغربها، ومن شمالها إلى جنوبها!

وفق ذات وجهة النظر تلك المغالية في علمانيتها، ومن المنظور الغربي، لا سيما الأميركي والبريطاني، منذ بدء الحرب على ما يسمى "الإرهاب" (المحدد غربيا، بحيث يشمل حتى حركات التحرر والمقاومة)، والتي لا يبدو التعبير الأخير عنه (المنظور) ردة الفعل البريطانية عقب تفجيرات لندن، يبدو من الممكن القول إن ثمة أشخاصا يرتقون إلى مستوى أنبياء جدد ينجبهم الشرق، يحملون ديانة "الإرهاب"! وما يؤهلهم لنيل هذه المرتبة الرفيعة هو إصرار الغرب على أن المحرك الاساسي لما يسمى بـ"الإرهاب" العربي والإسلامي لا يعدو ان يكون ثقافة دينية متعصبة، تمكن الإرهابيون من خلالها من تجنيد جيوش من الإرهابيين، بعضهم ولد أو نشأ في الغرب ذاته، بل وتمكنوا -من وجهة نظر غربية- من خلق شعوب كاملة من الإرهابيين، ليست سوى نحن، أي الشعوب العربية والإسلامية! لكن هل هؤلاء الإرهابيون هم فعلا أنبياء، وأنهم بآرائهم المتطرفة النابعة من ثقافة متعصبة غدوا قادرين على خلق أجيال متوالية من أتباعهم الانتحاريين الإرهابيين؟ بالتأكيد لا.

الإجراءات البريطانية الأخيرة بتسليم إسلاميين متشددين لاجئين في بريطانيا إلى بلدانهم، بعد ضمانات بعدم تعرض هؤلاء لانتهاكات لحقوقهم الإنسانية! وقبله التهديد الفرنسي بنزع الجنسية الفرنسية عن أمثالهم الموجودين في فرنسا (دون أن نعرف كيف ستنزع الجنسية عن مسلم فرنسي الأصل، طالما أن الإجراءات ليست عنصرية؟) هي في الواقع إجراءات تليق بدولة من دول العالم الثالث، تسعى إلى تصدير أزماتها إلى الخارج لتجنب منبع المشكلة الحقيقية، أو بعبارة أخرى منبع "الإرهاب". فرئيس الوزراء البريطاني توني بلير، وبسياساته التي تبعت تفجيرات لندن، إنما يحاول إيهام الرأي العام البريطاني أن المشكلة مرتبطة بأشخاص ذوي ثقافة دموية، وأن ترحيلهم عن الأراضي البريطانية، ومنع أمثالهم من الدخول إليها مستقبلا كفيل بحل المشكلة، ربما من جذورها! لكن يبقى السؤال: كيف يستطيع هؤلاء وأمثالهم نشر ثقافتهم الدموية تلك بين شباب متعلم من أمثال محمد عطا، طالب الهندسة الألمعي بشهادة أستاذه الالماني، الذي كان يتوقع له مستقبلا باهرا؟ في الإجابة عن هذا السؤال، يجب علينا، كما على الرأي العام الاميركي والبريطاني، أن نتحاشى تماما أي ذكر، ناهيك عن الربط، بين "الإرهاب" العربي والإسلامي وبين ما يجري في العراق وفلسطين! كما يجب أن لا نتساءل، في معرض الإجابة ذاتها، ما إذا كان اضطهاد الشباب العربي والمسلم، وبعد أن كان يتم برضى أو صمت غربي، بات يتم بأيدي جنود الولايات المتحدة ذاتها، وما إذا كان ذلك سيعزز الإرهاب كنتيجة منطقية؟!

الطريف أن العديد من الكتاب العرب، وفي سياق إدانتهم للعمليات الانتحارية التي تستهدف مدنيين أجانب، من أي جنسية كانوا، يستحضرون النموذج الفيتنامي في المقاومة، الذي لم يعرف هذا الاسلوب قط، وهم محقون في ذلك تماما، لكنهم يتجاهلون حد الإنكار أن النموذج الفيتنامي ذاته، كما هو حال غيره من نماذج المقاومة الأخرى، لم يكن ذا ثقافة إسلامية، لكنه قرر رفض الاحتلال الأميركي، حتى عندما كان غير مباشر من خلال تنصيب حكام فاسدين ومستبدين.

صحيح أن مثل هذا الأمر لا يخرجنا عن الاتفاق مع أولئك الرافضين للتفجيرات التي تستهدف مدنيين، لكنه يمكننا من الخروج عن الإطار الضيق الذي يطلب منا التفكير في إطاره، وهو البحث عن دوافع "الإرهاب" في البنية الفكرية والثقافية لأشخاص محددين من قبيل ابن لادن، والظواهري والزرقاوي وأتباعهم، بدلا عن النظر في البيئة المحيطة ككل، والاعتراف أن ليس من الضروري أن يكون جميع أعضاء الجماعات التي تسمى "إرهابية" هم فقراء أو متدينين متعصبين وما إلى ذلك من توصيفات يراد لنا القبول بها وحدها، وأن "الإرهاب" إنما غدا وسيلة رئيسة لا توفر حتى المدنيين الابرياء، عربا مسلمين أم غيرهم، نتيجة غياب السياسة عن العالم العربي ككل، حكومات ومن ثم تنظيمات إسلامية او قومية أو وطنية.

إذا أراد الغرب فعلا تجفيف منابع الإرهاب والتطرف، فليس عليه إلا العودة إلى الشعار الذي رفعه فعلا بداية الحرب على الإرهاب، وجعل هذا الشعار واقعا، من خلال الدفع باتجاه إصلاح بيئة القمع والاضطهاد، في العراق وفلسطين وغيرهما، فهذه البيئة هي الحاضنة الحقيقية التي تجعل من ثقافة ما أداة قاتلة أو مدمرة.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق