منار الرشواني

لسنا النازيين الجدد!

تم نشره في الأحد 7 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً

  منذ هجمات الحادي عشر من أيلول، على الأقل، ونحن نخوض سجالا حقيقيا لا تبدو نهايته قريبة، حول ما إذا كانت مثل هذه الهجمات، التي كان آخرها في لندن وشرم الشيخ، هي عمليات إرهابية بالمطلق تستحق منا موقفا واضحا لا تأويل له، يتلخص في "ندين وكفى، وإلا كنا شركاء في الإرهاب"، أو ما إذا كانت هكذا هجمات، من وجهة نظر مختلفة، عمليات تستدعي النظر إلى ما هو أبعد من حدودها الجغرافية والزمانية والبشرية، وهي من ثم تستدعي موقفا عنوانه "ندين ونفسر ولربما نبرر".

وأطراف هذا السجال لا تبدو الحدود بينها واضحة قاطعة؛ من قبيل عرب ومسلمين في مواجهة غربيين، بل يتداخل فيه هذا التمايز الثقافي، كما بدا ذلك جليا في موقف عمدة لندن "ليفنغستون" عقب هجمات لندن، والذي اعتبر، في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية، أن الغرب لو أوفى بما وعد به "العرب بعد الحرب العالمية الأولى، وهو منحهم حرياتهم، وتمكينهم من اختيار حكوماتهم بأنفسهم، ولم نتدخل في شؤون الدول العربية، واكتفينا بشراء النفط منهم بدلا من إصرارنا على التحكم في تدفق النفط، فإنني أشك أن هذه التفجيرات كانت لتحدث".

   وإذا كان من البدهي القول إن أهمية هذا السجال بحد ذاته تبدو في كونه يعبر عن رؤية كل طرف من الأطراف للأسلوب الأمثل لمواجهة الإرهاب -الذي مازال في الواقع خاضعا للأهواء وموازين القوى في تعريفه- إلا أننا في سجالنا الداخلي، نحن كعرب ومسلمين، مازلنا على ما يبدو غير واعين بقضيتين أساسيتين، على درجة كبيرة من الأهمية، أيا كان موقفنا على طرفي هذا السجال.

    القضية الأولى، تتمثل، وكما ذكرنا سابقا، في حقيقة أننا أصحاب القضية باعتبارنا الضحايا قبل أي شعب أو أمة أخرى، إن لم نكن وحدنا، كما يحصل اليوم في العراق من إرهاب يمارس ضد الجميع دون استثناء. فرغم أن من المفترض أن تكون هذه الحقيقة واضحة لا تحتاج إلى أي نقاش، إلا أن موقفنا من كل ما يسمى "عمليات إرهابية" متهم بتنفيذها عرب و/أو مسلمون، وسواء أدناها بالمطلق أو أدناها مع تقديم بعض التفسير والتبرير، يبدو دافعه الأوحد الدفاع عن النفس من تهمة ارتضينا بموقفنا هذا أن تلصق بنا مجتمعين، باعتبارنا أمة وشعوبا من الإرهابيين!

    أما القضية الثانية، فهي وثيقة الصلة بسابقتها، إلا أنها تبدو غير واضحة في أذهاننا، هذا إن كانت موجودة على الإطلاق، وتتمثل في البعد النفسي لمحاولة تفسير ما يسمى "الإرهاب العربي والإسلامي" بأسلوب غيبي مبهم، ينأى بنفسه عن كل الأسباب الموضوعية التي تخلق أجيالا مستعدة لارتكاب كل ما هو مرفوض، من قبلنا قبل غيرنا. فمثل هذا التفسير القائم على دعوى التعليم الديني المتطرف خصوصا، يكاد يصل بالشعوب العربية والإسلامية إلى حد جعلها أمة إرهابية بحكم ثقافتها وموروثاتها الخَلقية والخُلقية، وبشكل يكاد يتماهى مع الرؤى العنصرية الاستعلائية التي طالما كانت الذريعة الأهم لكي يحمل الإنسان الأبيض رسالته الدموية إلى العالم تحت مسمى "نشر الحضارة"، والتي تجد اليوم مرادفها بمزاعم أن "المسلمين يحاربون الغرب -كل الغرب- لأنهم يكرهون الحرية والحضارة"!

    أما الجانب الآخر، وفي ذات الإطار، فيتمثل في أن قبولنا لصفة الإرهابيين، من خلال أساليب إدانتنا لما يسمى إرهابا، وقبولنا للتفسيرات الثقافية غير الحقيقية في أغلبها، تدفع بالشعوب العربية والإسلامية إلى حالة من الشعور بالدونية وانعدام الثقة بالنفس، الناجمة عن "عقدة الذنب" الشبيهة تماما بتلك التي مازالت تحملها ألمانيا عن فترة الحكم النازي وما تم إبانها، وبكل ما سيجلبه ذلك علينا من ويلات مستقبلية، ليس أقلها مزيد من تهميشنا وإقصائنا، ومنع حتى أولئك المنددين بالإرهاب العربي والإسلامي بالمطلق، من تحسين صورة العرب والمسلمين في الغرب.

    لكن يبقى السؤال: هل نحن فعلا "نازيو القرن الواحد والعشرين"؟!

الإجابة عن هكذا سؤال متضمنة في سؤال آخر ليس يحتاج إلى إجابة: هل "إرهابنا" هو فعلا نتاج ثقافة وتعليم ديني متطرف ليس إلا، وأنه لو تم إلغاء –وليس فقط تعديل- التعليم الديني ككل من الوطن العربي فسيختفي ما يسمى "الإرهاب العربي والإسلامي"، رغم استمرار الاحتلال، وسياسات إرهاب دولة، وسجون ديكتاتوريات عسكرية حكمت غير بلد عربي لعقود وعقود، يضاف إليها سجون باغرام وأبو غريب وغوانتنامو وغيرها مما لا نعرفه في العراق وأفغانستان وغيرها، وعمليات التعذيب الممنهج التي تتم فيها بحق الشعوب العربية والإسلامية؟

    أخيرا، هل يبدو تبريرا للإرهاب وتأييدا له، أن يكون موقفنا "ندين الإرهاب وقبله ندين من صنعوه وما زالوا"؟ وألا يبدو منصفا تماما أن نطالب بالقصاص والتعويض من الإرهابيين ومن أولئك الذين جعلوهم إرهابيين، وسمحوا لهم بسفك دمائنا وتشويه صورتنا؟

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »Good Article (hani thabet)

    الخميس 11 آب / أغسطس 2005.
    Manar how are you. This is the first time i go over alghads website thoroughly, and i have found your article to be interesting.