في مناقب غرنغ.. هل نحن عنصريون؟

تم نشره في الأحد 7 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً

مات في حادث طائرة! موت لا يليق بهذا الجنوبي الأسود، الذي كان يفترض أن يقضي في ساح النزال التي عرفته، على مدى عقود، مقاتلا يسعى إلى تقاسم عادل للسلطة والثروة في السودان -التقاسم أو التقسيم. ولم يرض أن يكون "طرفا مهمشا"، بل اختار أن يكون طرفا فاعلا شاغلا للمركز، لا ملحقا به. خيار كان سيصحح معادلات مختلة في العالم الثالث، التي اعتادت فيها الأطراف ذل الإلحاق، قانعة بصدقات المركز، لا بل شاكرة حامدة لأنعمه.

هذه بعض محاسن الفقيد ومناقبه التي تذكر عند الرحيل، أما المآخذ عليه فكثيرة؛ أبرزها أنه في سعيه للانعتاق من مركز الخرطوم وقع في شراك مراكز أخرى أكثر تسلطا وهيمنة: واشنطن، تل أبيب، مجلس الكنائس، وغيرها. وهو شرك تورطت فيه من قبل الحركة الوطنية الكردية، التي تتشابه كثيرا مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، منطلقا ومسارا وربما مآلا.

مع كل هذه المآخذ، جنح غرنغ أخيرا للسلم، وتوصل إلى اتفاق مع حكومة الإنقاذ يشكل بداية يمكن البناء عليها لتصحيح العلاقة يبن المركز والأطراف في السودان، اتفاق يعتبره معارضوه مشروع تقسيم للسودان، ويرى فيه مؤيدوه مشروع تقاسم للسلطة والثروة. وكما يجد الاتفاق معارضة من الأوساط العربية الإسلامية، باعتباره تفريطا بالعروبة والإسلام، يجد المعارضة ذاتها من أوساط علمانية إفريقية، ترى فيه تفريطا بالعلمنة والأفرقة.

وهو في النهاية اتفاق يمثل محصلة تنازلات من الأطراف الموقعة عليه، وهي أطراف قاتلت بلا هوادة، وما امتدت يدها إلى غصن الزيتون إلا بعد أن أنهكت من حمل البندقية. والعبرة اليوم في تطبيق جوهر الاتفاق المبني على تقاسم عادل للسلطة والثروة، وهو تركة غرنغ لأنصاره، حسب ما عبرت زوجه ورفيقة كفاحه لمواطنيها الذين أراقوا الدماء احتجاجا عقب رحيله: "فإن كانت قضيتكم هي غرنغ، فهو الآن جثة هامدة. وإن كانت قضيتكم هي التهميش، فتمسكوا باتفاق السلام واحرصوا على تطبيقه".

تابعت تشييع غرنغ في جوبا جثة هامدة، وعادت بي الذاكرة إلى منتصف التسعينات، عندما كانت المدينة محررة على أيدي مجاهدي "الدفاع الشعبي". وفي عز الانتصارات، كان ثمة إدراك من "المجاهدين" لتعقيدات قضية الجنوب التي لا يحسمها القتال وحده؛ فالتعقيدات الثقافية والاقتصادية والتدخل الخارجي كفيلة بإجهاض أي محاولة لإحلال السلام.

في جنوب السودان، تشاهد كيف تفتك الهوية بالبشر، وتبدد طاقاتهم، وتريق دماءهم.

 شاهدت في الجنوب جنة عدن على الأرض؛ النيل في أوجه قبل أن يصل إلى الخرطوم والقاهرة.. الغابات البكر.. هذا بعض ما تعاينه، وما خفي من نفط في جوف الأرض أعظم! تشاهد الناس البسطاء الذين لم تصلهم الحضارة، هؤلاء الناس فصلهم الاستعمار البريطاني عن الشماليين من خلال نظام المناطق المغلقة، وأطلقت -من بعد- حملات التبشير، وقد شاهدت في كنائس الجنوب تماثيل المسيح أسود اللون. وقد نجحت الآلة الإعلامية الغربية في تسويق الصراع بأنه ضد المسيحيين في الجنوب، مع أنهم لم يشكلوا يوما أكثرية السكان.

هؤلاء السكان ما كانوا لينساقوا وراء حملات التبشير لولا الموقف العنصري من بعض عرب الشمال، والذي تبدى أكثر في جنجويد دارفور. فإن كان الجنوب خليطا من الوثنيين والأرواحيين  والمسلمين والمسيحيين، فإن أبناء دارفور مسلمون، ومع ذلك تعرضوا لممارسات عنصرية، وصلت إلى درجة الاتهام بالإبادة الجماعية.

صحيح أن الدوائر الغربية تسعى إلى الهيمنة من خلال التقسيم، لكن أليس حريا أن نسأل أنفسنا: هل ساهمت عنصريتنا في تمهيد الطريق لتلك الدوائر؟ هل لنا أن ندقق في موقف شارعنا العربي من رحيل غرنغ، ومدى مشاركة العرب، رسميا وشعبيا، لجيرانهم الأفارقة في مصابهم؟ الإجابة تفسر لماذا يسعى الجنوبيون للانفصال، وكذلك الأكراد.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق