المعايير المزدوجة تحتل موقع القانون

تم نشره في السبت 6 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

 
    لم يُؤدّ تواتر الشكوى من تطبيق منظمة الأمم المتحدة، والدول العظمى التي تتحكم بها، للمعايير المزدوجة إلى الإقلاع عن هذه الممارسة المضرّة. في الحقيقة أخذ العالم يتعود على شيوع الظاهرة، التي أصبحت نهجاً علنيّاً، معزّزاً بالمزيد من الصّلَف، والاحتماء وراء القوّة، والاستعلاء على شعوب العالم الضعيفة الأخرى.
    نحن نعيش في عالم اختلت فيه القيم، وتداعى فيه النظام الدولي، واستحكمت فيه سياسة الغطرسة والقوّة، وانتفت العدالة، وسادت معادلة التعامل بأسلوب الذئب والحمل؛ الحمل الذي اتهمه الذئب بتعكير الماء عليه، رغم أن الذئب كان يشرب من رأس النبع بينما يقبع الحمل عند أسفله.
    إما أن يكون الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) ضعيفاً عديم الإرادة، وهدفاً للوم والإدانة، وربما المعاقبة من قبل تل أبيب وواشنطن، أو أن ينزع سلاح كل فلسطيني يطمع في استخدامه لتحرير أرضه من الاحتلال إذا فشلت الوسائل السلمية الأخرى. أما سلاح المستوطنين الذين يستعمرون الأرض، ويمارسون أبشع أشكال القمع، ويستخدمونه متى شاؤوا ضدّ الفلسطينيين العزل وللعدوان عليهم وعلى مزارعهم وممتلكاتهم، فلا يجوز الإشارة إليه بأي شكل.
    ومطلوب من محمود عباس أن يحرّك أجهزته فوراً لكبح واعتقال كل فلسطيني تسوّل له نفسه الردّ على أي اعتداء إسرائيلي، أما في الجانب الإسرائيلي، بالمقابل، فالجيش مطلق اليدين لاقتحام المدن والقرى لاعتقال من شاء، ولقتل من شاء، والحديث عن أي إجراء بحق أي إسرائيلي ينتهك الهدنة هو من أصعب المحرّمات.
     والمطلوب من لبنان، بأوامر مباشرة من مجلس الأمن -والذي ليس من حقه أبداً، بموجب الميثاق، أن يتدخل في شؤون الدول الأعضاء الداخلية- أن ينزع سلاح الميليشيات (التعبير المبطن لحزب الله)، وأن ينشر جيشه على الحدود مع إسرائيل. وبالمقابل، لا يجوز لقرار مجلس الأمن 1559، الذي طالب بجلاء القوات الأجنبية عن أرض لبنان، أن يشمل الاحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا بفتوى من الأمين العام ومندوبه النرويجي، تري رود لارسن. ومن يجرؤ على الحديث عن أي سلاح في يد أي إسرائيلي، وبأية طريقة، وفي أي موقع يستخدم؟!
    والمطلوب من سورية (وذلك مطلب حق طبعاً) أن تسحب قواتها وأجهزتها التابعة من لبنان. وللتأكد، تقوم الأمم المتحدة بتفقد المواقع التي تم إخلاؤها واحداً واحداً من قبل لجنة مشكلة لهذه الغاية، تنفيذاً لقرار دولي. أما احتلال الجولان منذ العام 1967، والقرارات الدولية التي تطالب إسرائيل بإنهائه، فلا يجوز الحديث عنها. ولا يفي الأمين العام بالمطلوب منه في ذيل القرار المعتّق رقم 242، بإبلاغ مجلس الأمن بما تم بشأن تنفيذ ذلك القرار.
     والمطلوب من إيران، ومن باكستان، ومن أية دولة شرق أوسطية، أن لا تفكر في استخدام أية طاقة نووية لأية غاية، حتى السلمية منها، تحت طائلة التدمير –وقد دمرت إسرائيل المفاعل النووي العراقي– منذ أكثر من عقدين من الزمان. أما الحديث عن ترسانة نووية إسرائيلية، أو عن استخدام إسرائيل للطائرات الحربية والصواريخ الفتاكة لقتل المدنيين، فمسألة محرّمة أيضاً.
     قبل أيام، قرّر الرئيس بوش تجديد العقوبات على سورية بحجة أنها تقوّض الجهود التي تسعى إلى إعادة الاستقرار للعراق، وأنها تشجع الإرهاب، وأنها تسعى لامتلاك أسلحة دمار شامل، والأهم من ذلك كله (وهذا ما أذاعته وكالة رويترز للأبناء يوم 6/5/2005) "لأن سورية تحتل لبنان".
     إما أن الرئيس لم يُبلَّغ بأن سورية رحلت عن لبنان قبل نهاية شهر نيسان الماضي، ولم يبق لها أي أثر هناك، أو أنه يمارس صلف القوّة بأبشع أشكاله على طريقة "عكّرت عليّ الماء".
     فالمطلب بإنهاء الوجود العسكري السوري في لبنان لم يكن سوى أول مطلب على قائمة طويلة تشمل مطالب كثيرة أخرى، منها قبول سورية بالتخلّي عن أي "عداء" لإسرائيل، دون أن تسترد حقوقها في الجولان. أما إدامة أي "عداء"، حتى وإن كان في شكل مطالبة سلمية لاسترداد الأرض، فهو إرهاب ورعاية للإرهاب، وهو خطر على أمن أميركا والعالم، وعلى سورية أن تتحمّل مغبّة مطالبتها بحقوقها.
     ضحايا سياسة الذئب والحمل هم المستضعفون،وتلك هي ضريبة الضعف. أما إذا استكان العالم لهذه السياسة، فإن دائرة الضعفاء ستتوسع، وسيدرك الذين يصمتون الآن أن دورهم آتٍ لا ريب فيه، وأن المعايير المزدوجة تزحف باتجاههم.
سفير الأردن الأسبق في الأمم المتحدة

التعليق