أيمن الصفدي

الصدق لا "الشطارة"

تم نشره في الخميس 4 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

دأب بعض من اعتاد أن يخبئ رأسه في الرمال خوفا من مواجهات واقع صعبة حقائقه على التشكيك بصدقية دراسات تقدّم هذا الواقع للناس عارياً من كل المجاملات او وسائل اخفاء الاختلالات .

وادى هذا النهج الى تفاقم المشكلات التي يعاني منها المجتمع الاردني سياسياً وقيمياً واقتصادياً لان رفض الاعتراف بالمشكلة يعني التقاعس عن معالجتها ما يقود الى زيادة خطرها واثارها على المجتمع .

تجد الحكومة الحالية نفسها اليوم في مواجهة حقائق مؤلمة كشفها استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية الذي بنى صدقيته على مدى سنوات من العمل المستند الى منهجية علمية. ويستدعي هذا من الحكومة مواجهة صريحة وعميقة مع الواقع الذي ورثته .

فالحياة السياسية في الاردن تعاني من خواء لم يسهم الحراك السياسي الذي ولّدته الازمة الحكومية النيابية في بدء عملية مؤسسية فاعلة لملئه بتقاليد سياسية تعيد ثقة المواطن بمؤسسات العمل العام .

ولم تنجح التنمية الاقتصادية التي يتحمل رسميون سابقون مسؤولية تضخيم منجزاتها في كبح جماح مشكلتي الفقر والبطالة اللتين استعمرتا اعدادا متصاعدة من بيوت الاردنيين .

وما زالت الواسطة والمحسوبية وباءً عضالا فقد المواطن الامل بالتوصل الى علاج رادع له يحقق العدالة الاجتماعية بين شرائح مجتمعية تعاني غياب آفاق تحسين شروط حياتها .

كل هذه حقائق لا بد لحكومة بدران من مواجهتها اذا ما ارادت اطلاق مسيرة ستكون بطيئة وصعبة ومنهكة ولكن لا غنى عنها لاعادة ثقة الناس بمؤسساتهم العامة .

ولا شك ان حصول حكومة بدران على ادنى نسبة ثقة بين الحكومات الست التي استطلعت آراء المواطنين حولها يعود في جانب الى تداعيات أزمتها مع مجلس النواب التي شلت حركتها واستنفدت وقتها وطاقاتها للاشهر الثلاثة التي سبقت حصولها على الثقة.

لكن السبب الرئيس لهذا التقويم يعود لانحسار متنامٍ لثقة الناس بالحكومات. ولا تقرع هذه الحقيقة جرس الانذار حول المستقبل فحسب. لكنها تقدّم ايضاً مؤشرا كبيرا على فشل سياسات اتبعها رسميون سابقون. والبدء بمعالجة المشكلة يكون بالاقرار بخطأ ما كان . فالصدق ينتهي الى احترام أنّى كانت قساوة وقع ما يكشفه على اذان الناس وعيونهم .

قد يكون من مصلحة الحكومة انها تبدأ عملها بسقف توقعات منخفض سيجعل الانجاز مهما تواضع اسهل للملاحظة.

وسترفع الحكومة من درجة رضى الناس عن ادائها السياسي ان هي قدمت مشروعي قانوني احزاب وانتخابات مقنعة, ونفذت توجيهات الملك اتخاذ خطوات حقيقية لمكافحة الفساد, واعتمدت الشفافية واستحدثت آليات مساءلة علمية للاداء.

اما اقتصاديا, فالصراحة هي الوسيلة لتغيير نظرة الناس الى الحكومة. فلعبة الارقام التي اعتمدها بعض من تحمل المسؤولية العامة سبيلاً للمبالغة بحجم الانجاز تشتري وقتاً بثمن خسارة ثقة الشعب.

فالاوطان تدار بالصدق والصراحة التي تحقق انجازا وتكسب احترام الناس حتى الغاضبين منهم. اما "الشطارة" التي احترفها رسميون فهي المسؤولة عن فجوة الثقة التي لن يكون من السهل على حكومة بدران ردمها .

التعليق