تفهم دوافع الارهاب يساوي تبريره!

تم نشره في الخميس 4 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

هناك إجماع لدى المتابعين للشؤون الدولية على أن التطرف والغلوّ، العقائدي منه والوطني، قد يؤدي الى تبني الإرهاب كأسلوب عمل، من أجل فرض أجندة من نوع آخر على المجتمع الدولي، تماما كما حاولت بعض الفصائل الفلسطينية في سبعينات القرن الماضي جلب أنظار العالم الى قضاياها عن طريق إختطاف الطائرات. بيد أنه من الجلي تاريخيا فشل هذا الاسلوب في الانتصار في نهاية الأمر، وبالتالي فعلى المتحمسين لهذا الاسلوب أن يعيدوا النظر في مواقفهم، وأن يتفهموا أن موازين القوى الدولية لا يمكن لها السماح للإرهاب بالانتصار.

ما يقلق حقيقة هو تفهّم العديد من مثقفينا في المنطقة العربية لأسباب الارهاب. وعادة ما يطل علينا بعض النخب العربية، من خلال الفضائيات العربية، ليمضوا وقتا طويلا في شرح أن الارهاب هو نتاج سياسة الولايات المتحدة الاميركية في المنطقة دون إدانة هذه العمليات بشكل قاطع وصريح. ويخفق هؤلاء في فهم مساهمتهم في خلق أو تعزيز تأييد خفي في الشارع العربي للمنظمات الارهابية، كما تعمل هذه النخب -بدون وعي- على خلق بناء اجتماعي يتقبل قتل وارهاب الابرياء. وهكذا، فالانسان العادي في مجتمعاتنا لا تصعقه أخبار القتل والارهاب التي يراها على شاشات التلفزة بشكل يومي، فلم نر ردة فعل شعبية للارهاب الصريح في شرم الشيخ من قبل تنظيمات تعلن ليل نهار انها لا تريد الدنيا! بمعنى آخر، لا توجد قواسم انسانية مشتركة بيننا، نحن الغالبية الذين نريد حياة مستقرة، وهذه الاقلية الكارهة للحياة وللبشر. فكيف يمكن لنا الدفاع عن هؤلاء القتلة؟! وكيف يمكن لنا تفهم دوافعهم؟!

المشكلة الكبرى أن مثقفينا لا يتخذون موقفا صريحا من هذه الفئة الضالة، وعلى العكس تماما، نجد ان هناك من يتنطح في الفضائيات للتركيز على ازدواجية سياسة الولايات المتحدة، مما يزرع في أذهان العامة أن الولايات المتحدة والغرب عموما يستحق الشرب من نفس الكأس. الاختلاف مع سياسة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط شيء، وإظهار التعاطف مع الارهابيين شيء آخر مختلف. وقد صعقت بنقاش دار بحضوري بين مجموعة من الشبان في العشرينات من عمرهم حول التفجيرات الارهابية في لندن وفي شرم الشيخ؛ إذ غلب على نقاشهم مقولة أن المجتمعات الغربية منحلة وغير أخلاقية، وتدعم سياسة بلدانها المعادية للعرب والمسلمين، وأن هذه الشعوب تدعم الاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية المحتلة ...الخ. وأسهب أحد الشبان في حديثه عن عدائه الشخصي للغرب، واستشهد برأي أحد خطباء صلاة الجمعة وهو يقارن بين الحياة الفاضلة لدى المجتمع الاسلامي والحياة المنحلة والمادية للمجتمعات غير المسلمة. بمعنى آخر، ما فهمته أن هناك محاولة لنزع صفة الانسانية عن المجتمعات الغربية، وإظهارها بمظهر الطفيليات التي تلحق ضررا بالانسانية!

هذا الكلام بمنتهى الخطورة، ويستوجب منا إثارته للنقاش العام في الاردن. ويجب أن لا يترك الأمر لخطباء المساجد لخلق بنية ذهنية لدى المسلمين لا تسمح لهم بالتعاطف مع ضحايا الجرائم ضد الانسانية، أما التركيز على حق الشعوب في المقاومة فهذا أمر مفهوم، لكن يجب عدم اللجوء الى التضليل والتعميم. كما ويجب النظر بواقعية إلى الفائدة المتوقعة من شكل معين للمقاومة، وأن نبتعد عن تقديس وسيلة معينة بذاتها للنضال، وإظهار مرونة كبيرة في التعامل مع الاوضاع المعقدة التي تعصف بالمنطقة العربية. ففي بعض المناسبات، يكون التركيز على الاسباب الموجبة للارهاب وإلصاقها بالغرب مساويا للدفاع عن الارهاب ذاته، وهذا بدوره يخلق ديناميكية اجتماعية تتساهل وتتسامح مع الاهابيين.

وهنا تظهر قيمة المثقفين والنخب في مجتمعاتنا؛ إذ يجب أن يقودوا الشارع بدلا من السماح للخطاب الرجعي -والفاشي أحيانا- بقيادتنا. ويحضرني وصف احد رؤساء تحرير جريدة عربية تصدر في لندن وهو يصف الارهابي أسامة بن لادن بـ"سماحة الشيخ"! ويضيف رئيس التحرير هذا بأن على العرب والمسلمين الانخراط في مقاومة الاسرائيليين، والاستمرار في العمليات ضد المدنيين الاسرائيليين حتى يأتي النصر المبين! وهو لا يدين تفجيرات شرم الشيخ التي ارتكبت ضد بلد عربي، وكان جميع ضحاياها أناسا عاديين، إذ لم يكن بين ضحايا هذا الهجوم البربري مسؤول واحد!

علينا تفهم أن معركتنا الاساسية هي معركة داخلية، ضد الجهل والتضليل، وضد النخب التي تخلق بيئة تسمح بتحويل كره الآخر وقتله إلى قيمة إيجابية. كما وعلينا التوقف عن تحدي العالم في مجالات نحن الاضعف فيها؛ فالشعوب العربية والاسلامة ليست مشروع شهادة أو انتحار. وبالتالي، فعلى الاقلية الكارهة للحياه تركنا وشأننا، وعلينا مقاومتها والانتباه الى الخطر الدامي الذي قد يعود علينا بسبب تسامح البعض منا مع هذه التظيمات. وفي الاردن، تمت إدانة تفجيرات لندن وشرم الشيخ الارهابية، وهناك الان نوع من التفهم الشعبي لخطورة الاهارب، وعلينا الآن استغلال قوة الدفع الجديدة، وخلق ثقافة معادية للإرهاب.

باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية-الجامعة الأردنية

[email protected]

التعليق