منار الرشواني

حروب الفتاوى.. والسياسة

تم نشره في الخميس 4 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

علينا أن نقر أن الحرب على ما يسمى "الإرهاب" (أكان الوصف دقيقا أم لم يكن)، سواء تلك التي بدأتها الولايات المتحدة منذ الحادي عشر من أيلول، أو تلك التي تخوضها الأنظمة العربية بشكل عام، وبعضها منذ أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي، هذه الحرب هي حرب دينية بامتياز؛ يبدو كل شيء فيها مرتبطا بالدين وعلى كل الجبهات، سواء لدى التنظيمات الإسلامية، حتى في قتل مدنيين ابرياء باعتبارهم "روافض" -بحسب وصف أبو مصعب الزرقاوي، زعيم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، للمدنيين الشيعة- كما لدى الرئيس الأميركي جورج بوش المتدين. وهي حرب دينية، أيضا، حتى في أسلحتها واساليب إخماد نيرانها، بتلخيص أسبابها في فهم ديني مغلوط ومتعصب، لابد من معالجته واستئصال جذوره بإصلاح التعليم عموما، والتعليم الديني خصوصا، من خلال تغيير المناهج، وتأهيل الخطباء والوعاظ، ...وغيرها.

وبانتظار أن تؤتي تلك الحلول "ثمارها!"، كان لابد من حلول سريعة، لكنها تستند إلى السلاح الأمضى، وتنطلق من الحكمة القائلة "وداوها بالتي كانت هي الداء". فطالما أن "الإرهابيين" يستندون في أفعالهم إلى الدين والفتاوى التي تبيح قتل المدنيين من بالي إلى نيويورك، ومن العراق إلى لندن، فإن اسلوب المعالجة الأمثل كان بالفتاوى المضادة التي تحرم مثل هذه الأفعال، وتجرم مرتكبيها، متوعدة إياهم الخلود في الجحيم بدلا عن النعيم المقيم الذي يسعى إليه أولئك "الإرهابيون"، وعداً من الله للشهداء.

في حرب الإفتاء هذه غير المتكافئة، بين قادة وأعضاء تنظيمات معظمهم ذوو تعليم متدن وبين علماء وفقهاء أجلاء على امتداد العالم الإسلامي، أنفقوا حياتهم في التعلم والتبحر في علوم الدين، كان يفترض بالنتيجة أن تكون نصرا مؤزرا في مواجهة الإرهاب، على الأقل هذا الذي يفتك بمواطنين عرب ومسلمين، لكن الحقيقة التي نراها، حتى وإن تعامينا أو تعالينا على الإقرار بها، هي أن علماءنا وفقهاءنا يخسرون المعركة تلو المعركة، يكفي شاهدا صارخا على ذلك استمرار قدرة هذه التنظيمات على تجنيد أعضاء ينفذون عمليات انتحارية أو استشهادية أو أيا كان اسمها، وهي القدرة التي اثارت الصدمة في تفجيرات لندن التي كان بعض منفذيها بريطانيي الجنسية والمولد!

لعل الإجابة عن هذه المفارقة المبكية المدمية، لنا قبل غيرنا، نجدها في كلمات الدكتور زكي بدوي، عميد الكلية الإسلامية بلندن، معلقا على الفتاوى التي صدرت عقب تفجيرات لندن في 7 تموز بتحريم مثل هكذا تفجيرات؛ فببساطة ومباشرة شديدتين، طالب الدكتور بدوي "بإغلاق دكاكين الفتاوى"! يقصد بها طبعا تلك الصادرة عن مؤسسات وشخصيات لها اعترافها وحضورها، على الساحة العربية والإسلامية والدولية ككل. والسؤال حول كيف تحول الإفتاء إلى سلعة تبدو اليوم كاسدة؟ يبدو هو جوهر القضية.

بكلمة، السبب هو مصادرة الدين رسميا أو تأميمه، ليتم من ثم إسكاته أو توظيفه سياسيا لمصلحة النظام السياسي. ولا نظن أن الأمر يحتاج إلى كثير من تمحيص لإثبات كيف تم استغلال الدين والفتوى في غير بلد عربي لمصلحة الحاكم، وبما أفقدها أي تأثير، بل وغدت سلعة كاسدة تضر ولا تنفع. فعلى سبيل المثال لا الحصر، وعندما صدرت الفتوى التي تحرم العمليات التي اعتدنا وصفها بـ"الاستشهادية"، أو "الفدائية" على أقل تقدير، في فلسطين، كان التأثير الوحيد لهذه الفتوى في ألفاظ بعض وسائل الإعلام وفي عدد محدود جدا من البلدان العربية والإسلامية، إذ تمت مساواة الضحية بالجلاد والمعتدي، وغدا لقب "قتيل" ينطبق على الجندي الإسرائيلي المحتل والطفلة الفلسطينية التي طالتها رصاصة مستوطن إسرائيلي بينما كانت جالسة على مقعد الدراسة! وذات الأمر ينطبق على الفتوى الشهيرة لشيخ الازهر بحضور ضيفه وزير الخارجية الفرنسي، والتي أعلن فيها -بكل بساطة- حق فرنسا نزع حجاب المرأة المسلمة في المؤسسات العامة والمدارس الفرنسية. 

هنا يبدو مناسبا تماما استحضار عبارة توماس فريدمان، بأن العرب والمسلمين يحصدون ما يزرعون! فمبدأ مصادرة الدين وتأميمه يبدو السائد اليوم، لكن من يمارس هذه المصادرة والتأميم هي تنظيمات وأشخاص نجزم أن غالبيتهم العظمى، إن لم يكن جميعهم، لا تملك الحد الأدنى من متطلبات الإفتاء. وبين إفتاء رسمي وإفتاء "ميليشيوي" يظل الإنسان العربي والمسلم هو الضحية الاساس، طالما أن عليه أن يختار بين فتوى تبرر الاستبداد في كثير من البلدان العربية، وفتوى تبرر الفوضى ولربما الحرب الأهلية.

بعد ذلك، هل يبدو غريبا القول إن القضاء على الإرهاب الذي يعنينا، وليس الذي تحدده أميركا وإسرائيل، لا يبدأ من مواجهة التنظيمات الإسلامية التي ينسب لها هذا الإرهاب، وإنما هو يبدأ من رفع السلطة يدها عن الدين، وترك مسافة واضحة جدا بينها وبين العلماء والفقهاء الثقات، فعندها سيغدو القضاء على الإرهاب مهمة المجتمع ككل، ومسألة وقت ليس إلا.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق