محمد أبو رمان

الإسلاميون الجدد وملامح رؤية فكرية جديدة

تم نشره في الخميس 4 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

في مقاله المتميز (في الحياة 23-7) يرى المفكر العربي عبد الإله بلقزيز أن الظروف والتطورات الأخيرة تعيد الاعتبار لكتاب علي عبد الرازق الذي صدر قبل ثمانين عاما "الإسلام وأصول الحكم"، والذي تعرّض بسببه عبد الرازق العالم الأزهري والفقيه إلى الطرد من الأزهر وإلى حملة فكرية وإعلامية تكفره وتفسقه وتشوه حقيقة الأطروحة التي قدمها، في الحقيقة فإن الموقف من مقالة عبد الرازق الإصلاحية لم يكن فكريا أو شرعيا وإنما موقف سياسي محض من الأزهر (المؤسسة الدينية التقليدية) دعما للملك فاروق الذي كان يسعى إلى تنصيبه خليفة للمسلمين، فقد جاء كتاب عبد الرازق آنذاك ضد التيار السائد ومصالح السلطة!. ولم تقف الأمور عند هذا الحد فقد أصدر التيار الإحيائي الإسلامي فتوى فكرية تاريخية ضد الرجل والكتاب، وهي ذات الفتوى التي صدرت ضد الفكر الإصلاحي الأول وأفكار ورؤى الأفغاني ومحمد عبده وخير الدين التونسي ورشيد رضا (في مرحلته الأولى) وغيرهم، أما مالك بن نبي فقد تعرض تراثه الكبير حول شروط النهضة للإهمال والتجاهل عقودا من الزمن.

ربما ساهمت ظروف تاريخية في تجاوز الأفكار الإصلاحية المستنيرة التي ظهرت في بدايات القرن، فقد طغى الصراع على السلطة وهوية الدولة والمجتمع على كل الأدبيات الإصلاحية السابقة، وساهم تطرف بعض الاتجاهات العلمانية ضد الدين في بناء موقف مضاد صارم، كما أدى الصراع للهيمنة على العالم الإسلامي من قبل الدول الغربية إلى تعزيز الأفكار والرؤى المتشككة من الغرب وفكره الوافد وسياسته. بينما رعت الظروف الداخلية نمو تيار إسلامي متشدد فكريا وفقهيا، أخذ ينتشر ويتعمق في الشارع العربي، وقد طال هذا التحول كثيرا من الحركات الإسلامية التي بدت -مع نهاية ثمانينات القرن المنصرم- حركات سلفية تتشكك من دعوات التجديد وتتجاوز دواعيه.

لقد بدا الأمر في السنوات الأخيرة وكأنّ الإسلاميين ينقسمون إلى اتجاهين فكريين: الاتجاه العام الحركي النافذ في الشارع وينادي بتطبيق صارم للشريعة الإسلامية، ولا يحفل كثيرا بتجديد وتطوير الفقه والفكر الإسلامي، وفي المقابل هناك اتجاه فكري وفقهي نخبوي محدود تصدر عنه رؤى وأفكار ومواقف متطورة ينشغل بأسئلة التجديد والنهضة والتعايش بين الإسلام والعصر بعيدا عن منطق الشعارات والخطابات الحاسمة التي تطلقها الحركات الإسلامية هنا وهناك. إلاّ أنّ أحداث أيلول (2001) وما بعدها وازدهار جماعات العنف العدمية أعادت الاعتبار للاتجاه الإصلاحي، الذي أخذ ينمو في السنوات الأخيرة ويطور مواقفه ورؤاه السياسية والفكرية ويقترب أكثر فأكثر من ساحة الفعل التاريخي المطلوب، وإن كان نفوذه داخل الشارع العربي محدودا، كما لا تزال كثير من الحركات الإسلامية متأثرة بتيار الانغلاق والتشدد الفكري والسياسي مع بروز مدافعة جديدة للفكر الإسلامي التجديدي داخل بعض هذه الحركات.

يطلق بعض الباحثين والمتابعين للنشاط الإسلامي مصطلح "الإسلاميون الجدد" على الاتجاه الإصلاحي الجديد، ويعتبرونه امتدادا واستئنافا لمقالة الفكر الإصلاحي الأول، وتمتد خارطة الإسلاميين الجدد بين عدد كبير من المفكرين والسياسيين الإسلاميين الذين يتباينون في كثير من التفصيلات والانتماءات والأطر المرجعية، في الوقت الذي تجمعهم ملامح عامة يمكن أن تشكل مدخلا لفكر إسلامي جديد ينتقل من إطار النخبة إلى الشارع ليمارس تأثيره ونفوذه على الجماهير والشباب الإسلامي ويعيد الاعتبار للخطاب الإصلاحي والتجديد الفكري والفقهي.

لعل أبرز معالم خطاب الإسلاميين الجدد تتمثل بالانعتاق من التفسيرات الضيقة للنصوص الشرعية وما يرتبط بذلك من فتاوى فقهية ويعيد قراءة النصوص في ضوء مقاصد الشريعة وإعمال العقل والتحرر من وضع الميراث الفقهي والتراث الإسلامي في مرتبة موازية للنصوص الشرعية. ولا ينظر هذا التيار إلى العالم غير الإسلامي على أنه "دار حرب" بل ينظر له من باب المصالح ما توافق منها وما اختلف، وحتى داخل الغرب نفسه يتطلع هذا الخطاب إلى وجود مناصرين ومؤيدين لقضايا العالم الإسلامي، ويعيد عدد كبير من المفكرين والفقهاء المنتمين إلى هذا الخطاب النظر في الموقف الشرعي من الفنون والآداب وفقه المعاملات ويتوسعون في دائرة الاجتهاد والتيسير في الفتاوى على الناس في محاولة لبناء فقه موازنات وأولويات بين المسلم وشروط العصر الذي يعيش فيه.

أما في الجانب السياسي فيلتقط عبد الإله بلقزيز ملاحظة مهمة وهي أن مقاربة الخطاب الإصلاحي لا تتمثل في إقامة دولة إسلامية أصولية –كما تنادي كثير من الحركات الإسلامية- وإنما في بناء "دولة وطنية مدنية حديثة"؛ فالإسلاميون الجدد هم بمثابة التيار الوطني الإسلامي الذي يسعى إلى المساهمة في بناء دولة وطنية مدنية تحترم قيم المواطنة وحقوق الإنسان وحرياته، لكنه لا يجاري الاتجاه العلماني "اللا ديني" في استبعاد دور الدين في المجال الاجتماعي والسياسي والثقافي بالكلية، وإنما يرى أهمية وجود دور محوري للدين يتمثل في كونه مظلة القيم السياسية على الحاكم والمحكوم، مع حفظ مسافة كبيرة تتمثل بكون الإسلام موجها وهاديا إلى الأخلاق العليا وشفافية الممارسة السياسية دون تحوله إلى نظام شمولي قمعي. ويدعو الإسلاميون الجدد إلى الحق في الاختلاف واحترام التعددية الفكرية والسياسية والحريات الدينية واحترام حقوق الأقليات وتطوير الفقه السياسي الإسلامي، والتقريب بين المذاهب الإسلامية واستبعاد فتاوى التكفير والتضليل، والقبول بالنسبية في إدراك أحكام الشريعة الإسلامية، وأن توظف عملية إحياء التراث الإسلامي فقط في المساهمة في عملية الانبعاث القومي والإسلامي المأمول لا في استعادة الخلافات الفكرية والعقدية التي تؤجج خطاب الفتنة والفرقة والحروب الداخلية.

لم تحظ ظاهرة الإسلاميين الجدد بدراسة عميقة ولم تنل قسطا وافرا من البحث كما هو الحال للتيارات الإسلامية الأخرى، لكن برزت بعض الدراسات والأبحاث التي تناولت هذا التيار في البحث والتحليل وأبرز هذه الدراسات كتاب الدكتور أحمد كمال أبو المجد بعنوان "رؤية إسلامية معاصرة" والذي أوضح فيه رؤية التيار الوسطي المعتدل الذي يمثله هو وكل من فهمي هويدي وطارق البشري محمد سليم العوا، وهذه الأسماء هي ذاتها التي تناولها الأستاذ والباحث الأميركي "رايموند وليم بيكر" بعنوان "إسلام بلا خوف: مصر والإسلاميون الجدد" (جامعة هارفارد 2004) -يقوم المركز العلمي للدراسات السياسية في عمان بترجمة الكتاب المذكور وستصدر الترجمة قريبا-. كما كتب في نفس السياق عبد الوهاب المسيري مقالا مطولا بعنوان "معالم الخطاب الإسلامي الجديد" يقدم فيه رؤية هذا التيار في العديد من القضايا والمسائل المعرفية والفكرية والسياسية.

في حين تتعدد الأسماء والشخصيات التي تعتبر ضمن هذا النسق الفكري وتمثل خريطة متشعبة يختلف أفرادها في تفاصيل مختلفة ويتفقون في الملامح العامة، ومن أبرز الرموز بالإضافة إلى الأسماء السابقة: عبد الوهاب المسيري، محمد عمارة، منير شفيق، عادل حسين، وأحمد صدقي الدجاني، وجماعة المعهد العالمي للفكر الإسلامي كـ: سيف عبد الفتاح ونصرحامد ابوزيد ومنى أبو الفضل ومصطفى منجود ولؤي صافي، وعماد الدين خليل، وعبد الحميد أبو سليمان -وإن كان يطغى على هذه المجموعة المصطلح الأكاديمي- ويمكن وضع عدد من السلفيين الإصلاحيين داخل هذا النسق العام كالدكتور محمد حامد الأحمري وعدد من الإسلاميين الليبراليين في السعودية، وعدد من الفقهاء المعروفين النافذين في الأوساط الشعبية كحسين فضل الله، آية الله منتظري، فتحي الدريني، طه جابر علواني، يوسف القرضاوي وأحمد الكبيسي وغيرهم، وينضم إلى هذا التيار مجموعة من المفكرين والمثقفين الإسلاميين الشباب: رضوان زيادة وزكي ميلاد ومحمد محفوظ وإبراهيم غرايبة ورحيل غرايبة وبسام البطوش ومحمد يتيم وسعد الدين العثماني ..الخ.

ويقترب من فكر الإسلاميين الجدد عدد من الحركات الإسلامية كحزب العدالة والتنمية التركي والمغربي وبعض التيارات داخل الحركات الإسلامية العربية، في حين ما تزال رؤية الإسلاميين الجدد مرتبطة بدوائر صغيرة ولم تصل بعد إلى التأثير على الرأي العام في العالم العربي والإسلامي، ويبدو التحدي الرئيس أمام الإسلاميين الجدد هو بلورة رؤية فكرية متكاملة والانتقال من دائرة الخطاب المحدود إلى الخطاب المؤثر العام.

[email protected]

التعليق