اعتذار إسرائيلي للولايات المتحدة

تم نشره في السبت 30 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

    تثير سياسة إسرائيل نحو الصين تحسسا ملحوظا لدى إدارة الرئيس بوش. وقد بدأ الإختلاف وبالتالي الاحتكاك بين إسرائيل والصين يأخذا منحى جديا منذ أن قامت حكومة باراك ببيع الاسلحة للصين. وتخشى الولايات المتحدة أن تؤثر صفقات الأسلحة على موازين القوى بين الصين وتايوان، وتخشى أيضا أن تساعد الصين في امتلاك قدرات عسكرية تهدد المصالح الحيوية للولايات المحتدة في شرق آسيا. وتتهم إسرائيل الولايات المتحدة بأنها تخشى منافسة الاسلحة الاسرائيلية للصناعات الأميركية. وبالتالي فإن منطلق الاحتجاج الاميركي، حسب المصادر الاسرائيلية، هو رغبة الولايات المتحدة في احتكار المنافسة على سوق السلاح العالمي.

     الولايات المتحدة، التي غيرت عقيدتها الأمنية في عام 2002، لم تعد تأبه بحساسية إسرائيل للنقد في هذا المضمار. وقد رأى المسؤولون الاميركيون بأن على إسرائيل التوقف عن تجارة الاسلحة بما يضر بالمصالح الاميركية. وكشفت المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول صفقة تزويد الصين بقطع غيار لطائرات الهربي عن ضعف حكومة شارون امام ضغط إدارة بوش، إذ تراجع شارون عن خطط تصدير السلاح الى الصين.

     محاولات إسرائيل، التي بدأت بالتقليل من الأزمة، باءت بالفشل؛ إذ رفضت الولايات المتحدة استقبال وزير الدفاع شاؤول موفاز. وقامت بفرض عقوبات على مؤسسة الدفاع وبعض المسؤولين الاسرائيليين. كما رفضت رفع العقوبات (التي تلحق ضررا بالغا في الصناعات العسكرية الاسرائيلية) ما لم تلغ إسرائيل صفقة التسليح مع الصين وتقديم اعتذار خطي من اسرائيل ومن موفاز شخصيا. وبالفعل قدمت اسرائيل اعتذارا رسميا. ويعكف الجانبان على إعداد مذكرة تفاهم تلتزم فيها اسرائيل بالشروط الاميركية على أن تتعهد الولايات المتحدة بمنع الاحتجاج على صفقات تسليح بغرض احتكار المنافسة في سوق السلاح العالمي.

    يتبين من هذة القصة أن الولايات المتحدة تضغط بشدة وبدون هوادة إذا ما تعرضت مصالحها للخطر بصرف النظر عن المسبب سواء أكان صديقا أو خصما. والتساؤل الشرعي هو ماذا لو حدث هناك ربط بين استمرار اسرائيل باحتلال الاراضي الفلسطينية وتهديد المصالح الحيوية للولايات المتحدة في الاقليم؟ هل ستضغط عندها الولايات المتحدة دون هوادة على إسرائيل للانسحاب -كما ضغط أيزنهاور في عام 1956 لإجبار اسرائيل للانسحاب من سيناء-؟.. هذه أسئلة مشروعة بحاجة الى دراسة وربما محاولة إيجاد استراتيجية لخلق وضع مشابه.

    كما وتذكرنا ليونة إسرائيل أمام ضغط القوى الكبرى بما يستطيع أن يفعله الاتحاد الأوروبي في تعامله مع إسرائيل خاصة وأن الاتحاد الاوروبي هو الشريك التجاري الاكبر لإسرائيل. ومن الجدير بالذكر أن فرض عقوبات اقتصادية على اسرائيل بسبب تمسكها بالاحتلال سوف يلحق ضررا بالغا بالمصالح الاسرائيلية الحيوية. وقد نبهت الاعمال الارهابية البشعة في لندن رئيس الوزراء البريطاني الى ان عدم حل الصراع العربي الاسرائيلي هو أحد مكونات الامن الداخلي للعديد من البلدان الاوروبية.

    سؤال استراتيجي وتاريخي يطرح نفسه بقوة: وهو لماذا أخفق العرب في التأثير على السياسة الخارجية للدول الكبرى وخصوصا الولايات المتحدة باتجاه الحل العادل والدائم؟! فاعتذار اسرائيل الأخير، وتراجعها عن صفقتها مع الصين مؤشران واضحان بأن اسرائيل ليست عصية على الضغط ولا هي دولة خارقة وإن كانت قوية.

باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية

hassan.barari@alghad.jo

التعليق