منار الرشواني

المسلمون في الغرب.. تقدم في زمن التراجع

تم نشره في الجمعة 29 تموز / يوليو 2005. 02:00 صباحاً

لم يكن العرب والمسلمون يحتاجون إلى أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 ليعرفوا حجم الصورة المغلوطة أو التي تم تشويهها عنهم في الغرب. فأزمة "الصورة" التي نعاني منها في مواجهة الغرب بشكل عام معروفة لنا تماما، وقد كتب الكثير من الكتب، منها أطروحات جامعية، حول صورة العرب المشوهة في الصحافة الأميركية والبريطانية والألمانية. وهي أزمة ترجع على الأقل إلى فترة الاستشراق، الذي هدفت إلى خلق الصورة اللازمة لتحقيق الاستعمار، كما بات معروفا للجميع اليوم.

هجمات الحادي عشر من أيلول، والتي بدت وكأنها تحقيق سريع لنبوءة هنتنجتون الفذة حول صراع الحضارات القادم، حيث سيكون لـ"الخطر الإسلامي"، بديل الشيوعية المنهارة، العلامة الأبرز فيه، هذه الهجمات كان من الطبيعي أن تؤدي إلى تعميق الازمة، بكل ما يتبعه ذلك من أزمات على الصعد كافة تصل إلى حد المواجهة، التي بدأت فعلا في أفغانستان ثم العراق، وولدت ردا مقابلا في كل من مدريد في الحادي عشر من آذار 2004، ولندن في السابع من تموز 2005، وكان الضحية في المجمل أبرياء مدنيون على الجانبين. وهكذا بدت العلاقة مع الغرب، بالنسبة لنا على الأقل، وقد استحالت إلى علاقة بين فسطاطين أو دارين، هما دار الإسلام ودار الحرب، وأن جدران العزلة التي تفصلنا عن الغرب وتفصله عنا آخذة في الارتفاع وإلى أمد غير معروف. وبالنظر إلى كل التوازنات التي تحكم علاقتنا مع هذا الغرب فقد كنا بالتأكيد الخاسر الاكبر، إن على المدى القصير أو على المدى البعيد.

لكن هذه المتوالية، التي نزعم أنها منطقية تماما وإلى أبعد الحدود، تبدو على الأرض غير ذلك، وتحديدا في الولايات المتحدة الأميركية، التي هي اليوم رمز المواجهة مع الغرب! ففي الاستطلاع الأخير لـ"مركز بيو للدراسات" والذي نشر يوم الثلاثاء الماضي (26/7/2005)، وشمل 2000 مواطن أميركي من البالغين، وتم خلال الفترة 7 تموز (اليوم الذي حصلت فيه التفجيرات في لندن) وحتى 17 تموز الحالي، ذهب 36% من الأميركيين إلى تأييد فكرة أن الإسلام دين يشجع أتباعه على ارتكاب العنف، فيما بلغت هذه النسبة قبل عامين (تموز 2003) 44%. وحتى داخل المجموعات السياسية، أو المنتمين إليها، فيبدو التحسن في النظرة إلى الإسلام هي السمة الحاضرة، وإن بتغيرات مختلفة. ففي مقابل 60% من الجمهوريين المحافظين، و45% من الجمهوريين الليبراليين المعتدلين، و34% من المستقلين، و52% من الديمقراطيين المحافظين المعتدلين، و30% من الديمقراطيين الليبراليين، كانوا في استطلاع العام 2003 ينظرون إلى الإسلام كدين يشجع أتباعه على ارتكاب العنف، انخفضت النسبة بين هؤلاء إلى 49% و45% (هنا بقيت النسبة كما هي) و33% و34% و25% على التوالي في الاستطلاع الأخير 2005! كيف يمكن تفسير هذه النتائج، التي تمثل تناقضا "إيجابيا" مع المتوالية السابقة؟

الاستطلاع لا يجيب عن هذا السؤال بشكل مباشر، لكن أحد أهم عناصر الإجابة عنه تكمن في الاستطلاع ذاته. فقبيل هجمات الحادي عشر من أيلول 2001، أظهر استطلاع للرأي اجري في آذار من ذات العام أن 45% فقط من الأميركيين، أي أقل من النصف، يملكون رؤية إيجابية حول المسلمين الأميركيين. وكان من الطبيعي أن تشهد هذه النسبة تراجعا كبيرا، بل وكبيرا جدا، منذ تلك الفترة، لكن الاستطلاع الأخير يظهر أن غالبية الأميركيين، وبنسبة بلغت 55% يحملون رؤية إيجابية تجاه المسلمين الأميركيين، ليبرز هنا التفسير الاساس لتحسن صورة الإسلام بشكل عام في الولايات المتحدة، في فترة قد تبدو الأكثر حرجا ودموية بين الإسلام والغرب، بسبب التنظيمات الإسلامية المسلحة والعمليات التي تقوم بها في غير مكان، والتي تطال الولايات المتحدة وحلفاءها أساسا، وبالتأكيد بسبب الاحتلال الأميركي للعراق والممارسات التي ترتكب هناك، والتي تتنافى في كثير منها مع أبسط قواعد احترام حقوق الإنسان.

بعبارة أوضح، يبدو أن المسلمين الاميركيين، وكنتيجة للضغوط التي تعرضون ومازالوا يتعرضون لها منذ هجمات الحادي عشر من ايلول، قد نجحوا في القيام بما يمكن تسميته بـ"هجوم مضاد" للتعريف بانفسهم كمسلمين وللتعريف بالتالي بالإسلام كدين يرفض العنف لذاته، ويبيح سفك دم الابرياء. ويمكن إيجاد مؤشر على ذلك من خلال الاستطلاع ذاته مرة أخرى. ففيما كان 42% من الاميركيين، بحسب استطلاع العام 2003، قادرين على تمييز "القرآن" باعتباره الكتاب المقدس لدى المسلمين المكافئ للإنجيل، فقد ارتفعت هذه النسبة في استطلاع 2005 إلى 51%.

هنا تتبدا نقطتان أساسيتان، غفلنا عنهما أو لربما جهلناهما تماما. النقطة الأولى لا تبدو قاصرة على الولايات المتحدة، بل تشمل الغرب ككل، وتتمثل في دور الجالية الإسلامية هناك والتي قد تكون "الحصان الأسود" في سباقنا نحن إلى عقول الغربيين وقلوبهم، وذلك بخروج هذه الجالية من العزلة التي فرضتها على نفسها، قبل أن يفرضها عليها أحد غيرها، وبدء التعاطي مع هذه المجتمعات التي تعيش فيها كمواطنين حقيقيين منتمين، لا مترفعين ولا مستغربين. أي التعاطي مع عامة الشعب، وليس فقط -وعلى نحو ما اعتدنا التركيز دوما وفشلنا في الواقع- مع النخبة ومحاولة ممارسة الضغط على المستوى السياسي. ففي الغرب الديمقراطي المواطنون قادرون على التأثير على السياسات العامة الكبرى، وفرض رؤاهم على صناع القرار. ونزعم أن معركة الحجاب في فرنسا ما كنا لنخسرها لو أننا كنا مواطنين فرنسيين حقيقيين، لا مجرد حاملي لقب المواطنة.

النقطة الثانية المغفلة أو المجهولة، والتي تبدو وثيقة الصلة بالمجتمع الأميركي خصوصا، فتتمثل في نظرتنا النمطية نحن أنفسنا إلى الشعوب الغربية والشعب الأميركي، وهي النظرة التي تعفينا من تحمل مسؤوليتنا بمخاطبتهم. فجزء مهم من النجاح السابق على صعيد تحسن صورة الإسلام والمسلمين الأميركيين في الولايات المتحدة يجب أن يعزا إلى رغبة الشعب الأميركي في الإطلاع والمعرفة، كما يشهد على ذلك رواج الكتب المتعلقة بالإسلام وتشرح تصوراته منذ هجمات الحادي عشر من أيلول، ليبقى السؤال ما إذا كنا قادرين على ترويج الصورة الحقيقية للإسلام؟ الإجابة قد تستغرق وقتا طويلا، لكن البدايات تبدو مبشرة.

[email protected]

التعليق