د.باسم الطويسي

مصر والارهاب : طوارئ سياسية بين شرم الشيخ والقاهرة

تم نشره في الخميس 28 تموز / يوليو 2005. 02:00 صباحاً

  من المفترض ان العمليات الإرهابية التي شهدتها مدينة شرم الشيخ المصرية ستقود إلى فرملة الحديث في ملف الإصلاح والتغيير الديمقراطي في مصر أو في اقل تقدير تأخيره في سلم أجندات واهتمامات وسائل الأعلام وفي اولويات مؤسسات المجتمع المدني ولدى قادة الرأي والقوى المطالبة بالتغيير، ومن المفترض ان دخول مصر خارطة الحرب على الإرهاب من احد أبوابها باعتبارها مستهدفة من الدرجة الأولى بعد فترة الهدوء النسبي الذي عاشته البلاد سوف يخفف من الضغوط الدولية وتحديداً الأميركية الضاغطة باتجاه الإصلاح والتغيير.

    لكن، يبقى الأفق مفتوحاً أمام احتمالات الإدراك السياسي المصري لجوهر هذه الأحداث وخلفياتها والتي ربما تحول حالة الطوارئ الأمنية الممتدة من شرم الشيخ إلى القاهرة إلى طوارئ سياسية تعيد تمسك مصر بالخيار الديمقراطي والتغيير السلمي وبمسؤوليتها الحضارية والتاريخية حيال محيطها الإقليمي؛ انطلاقاً من موقعها وثقلها في منطقة انكسرت على حدودها كل موجات الديمقراطية التي نالت أكثر من ثلثي دول العالم.

     من بين السيناريوهات التي بدأت تجذب النقاش حولها ان تفجيرات شرم الشيخ ليست لها علاقة بتنظيم القاعدة، بل هي مرتبطة بعلاقات الأهالي والسكان المحليين في مناطق سيناء البدوية مع السلطة، وهي احد أشكال التعبير الثأري لما لاقاه هؤلاء السكان من ظروف أمنية صعبة خلال الفترة الماضية وبالتحديد بعد أحداث تفجيرات طابا وهي الظروف التي أكملت مشهد التهميش التنموي الذي عانته مجتمعات سيناء بعد عودتها إلى السيادة الوطنية، وسيناريو آخر يقول إن تنظيم أبي حفص المصري الذي ادعى مسؤوليته عن تفجيرات لندن هو تنظيم وهمي بعد أن كشفت التحقيقات أن منفذي التفجيرات هم من السكان المحليين بغض النظر عن أصولهم، وسيناريو ثالث يؤكد بأن العديد من العمليات التي تنسب إلى القاعدة هي نتاج محلي صرف تعود مباشرة لظروف مجتمعاتها ولا علاقة للتنظيم المعروف بها وأول ما تعنيه هذه المؤشرات العودة سريعاً نحو الداخل.

    ربما، من الزاوية التاريخية نجد ما يبرر القول بأن تخلف مصر عن المسار الديمقراطي وبطء خطواتها باتجاه التغيير والتحول نحو التعددية السياسية، هو بيت القصيد في تراجع دور مصر العربي والإقليمي في هذه المرحلة حينما رضيت بالتراجع قليلاً إلى الوراء منذ أكثر من عقدين، وكما كانت مصر الرسمية هي مصدر الأفكار القومية وحركات التحرر في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، فقد كانت قبل ذلك مصدر أفكار التنوير والإصلاح والنهضة، وكما هي مصر الشعبية مصدر مؤثر يمد العالم الإسلامي بالأفكار الأصولية والأصوليين، فهي ذاتها مصر الشعبية الموئل والمصدر الذي يمد محيطها بحركات الرفض والاحتجاج والتمسك بكل أسباب تجديد الحياة وقوتها.

    لا يمكن لأي قارئ منصف للتاريخ الحضاري والسياسي منذ الشرق القديم إلى الشرق الأوسط المعاصر أن ينكر الأهمية الجيوسياسية الحاسمة لمصر في لحظات الوصل والفصل التاريخية مما جعل هذه الدولة بالفعل "الإقليم،القاعدة" الذي تبرز أهميته في لحظات القوة والقدرة على المبادرة والفعل، ويلمس الجميع الحاجة إليها في لحظات التراجع والضعف، وبعبارة أخرى يجب الاعتراف ان تراجع مصر عن قيادة التحولات الديمقراطية في المنطقة هو الذي جعل الولايات المتحدة تطرح خططها وبرامجها للإصلاح الديمقراطي وتمارس دور المعلم الذي يلوح بعصاه الغليظة لشعوب المنطقة وحكوماتها، وهو الأمر ذاته الذي جعل الإرهاب يستهدف مصر أكثر من غيرها، ولعل قادة الإرهاب يتذكرون تماماً ماذا يعني قلق مصر.

    في المقابل كانت الولايات المتحدة وهي تقرأ مؤشرات فشل مشروعها في نشر الديمقراطية في العراق على طريقتها التي أشاعت انها ستنقل الديمقراطية بعدوى الخوف إلى الدول العربية وشعوبها قد أشارت في أكثر من مرة في دعوة ملتبسة لتزعم مصر نشر الديمقراطية في العالم العربي، وارتبطت أول إشارة في هذا الاتجاه على لسان الرئيس بوش بدفع مصر للتدخل لنزع سلاح الفصائل الفلسطينية، مما جعل وزير الخارجية المصري آنذاك يرد بقوة بإن مصر لا تحتاج إلى قرار من احد بديمقراطيتها ولا تقبل التدخل في الشؤون الداخلية للعرب.

    وبعيداً عن الابتزاز الأميركي ومنطقه السياسي الملتبس، تتحمل مصر جانبا من المسؤولية التاريخية والحضارية في مواجهة العنف الذي يعصف بالعالم ويضرب مضاجع الأبرياء ويختبئ خلف عباءة سماحة الإسلام؛ هذه المسؤولية لم تأت إلا من الثقل التاريخي والاستراتيجي لمصر في قلب العالمين العربي والإسلامي، وهو الدور الذي يؤهل مصر قبل غيرها لقيادة التغيير والتحول الديمقراطي ليس بأدوات التدخل في شؤون الآخرين على الطريقة الأميركية، بل بأدوات ما تمتلكه مصر من مكانة وحساسية ثقافية وقوة ناعمة على رأي محمد حسنين هيكل تؤهلها بالفعل لنقل أفكار التغيير بسلاسة وقوة قد لا تتوفر لأي دولة أو مجتمع عربي آخر.

    كانت شرم الشيخ المدينة المصرية الساحلية الحديثة قد ارتبطت بالانفتاح السياحي المصري باعتبارها منطقة جذب سياحي جديدة في عهد السلام، وارتبط اسمها بصفقات سياسية عديدة وبمسارات التسوية بين الفلسطينيين والاسرائيليين، واليوم يوضع اسمها بقوة في سجل المدن المبتلاة بالإرهاب، فهل تحول شرم الشيخ الطوارئ الأمنية المصرية إلى طوارئ سياسية تبدأ من القاهرة وتعيد بناء الحياة الديمقراطية والانفتاح السياسي وعدالة توزيع الموارد وتمتد إلى باقي العواصم والمدن العربية، فمصر والعرب ينطبق عليهما مقولة نابليون عن علاقة فرنسا بأوروبا في عهده "إذا عطست فرنسا ستصاب أوروبا كلها بالرشح".

    على كل الأحوال، لابد من الذهاب إلى إن مصر التي تحمل أغنى تراث ديمقراطي في المنطقة في الوقت الذي تنطوي تقاليد المجتمع المصري وثقافته الشعبية على تقاليد ديمقراطية راسخة هي الأكثر حاجة إلى الإصلاح الديمقراطي لأنها القطعة النفيسة التي يتبارى عليها الجميع وفي مقدمتهم الإرهاب العالمي.

التعليق