منار الرشواني

العراق.. الحروب الاهلية العابرة للحدود

تم نشره في الأحد 24 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

 تقرير وكالة المخابرات المركزية الأميركية، الذي تسرب إلى صحيفة نيويورك تايمز (22 حزيران 2005)، كان واضحا بما لا يحتاج إلى أي تفسير: منذ الغزو الأميركي في العام 2003، أصبح العراق -ومن أوجه متعددة- يؤدي الدور الذي لعبته أفغانستان خلال فترة صعود تنظيم القاعدة في ثمانينات وتسعينيات القرن الماضي، بحيث غدا أرض اختبار للإسلاميين المتشددين، يتم فيها صقل مهاراتهم، مع احتمال انطلاقهم لاحقا إلى بلدان أخرى لتنفيذ هجماتهم القاتلة.

هذا التقرير أرسل في الواقع تحذيراته في اتجاهين، أحدهما إلى الولايات والغرب بشكل عام، وقد صدقت نبوأته بأسرع مما هو متوقع، من خلال ربط تفجيرات لندن في 7 تموز الحالي (ولربما تفجيرات 21 تموز) بتنظيمات تنشط على الأرض العراقية. أما الاتجاه الثاني فكان بالتأكيد إلى الدول العربية والإسلامية كافة التي يتسلل مواطنوها إلى العراق، لا سيما تلك المحيطة بالعراق.

من ثم، كانت النتيجة المنطقية الاهم لاجتماع وزراء داخلية دول جوار العراق في مدينة اسطنبول التركية قبل أيام (في 20 تموز)، الاتفاق على تشكيل "سكرتاريا للتعاون الأمني" مقرها العراق، وتشديد مراقبة الحدود لمنع عمليات التسلل من وإلى الأراضي العراقية، وهي النتيجة التي تبدو مطلبا مجمعا عليه من قبل الأطراف المهددة كافة -الولايات المتحدة والدول العربية، سواء تلك التي شاركت في الاجتماع أو لم تشارك، إضافة إلى تركيا. وبشيء من التشبيه، يبدو العراق اليوم كقِدر الزيت الذي اشتعلت فيه النيران مهددة بامتدادها إلى كل ما جاورها، والطريقة الأنسب لإطفاء هذه النيران هي بالتأكيد إحكام إغلاق القِدر ومنع وصول الهواء إليه، وهم المقاتلون "الأجانب" في هذه الحالة.

هذا الحل قد يبدو نموذجيا للعراق، في حال ارتضينا أو غضضنا الطرف عما يجري في الداخل من حرب أهلية حقيقية، يخوضها الجميع ضد الجميع دون استثناء، وكما بات ذلك صريحا وواضحا حتى في وسائل الإعلام. وهو، من ثم، حل مناسب للولايات المتحدة، بحيث تغدو قادرة على الإجهاز على "الإرهابيين" الموجودين في العراق، وصولا إلى خلق "عراق مستقر" يقدَّم كنموذج على الفكر الأميركي الخلاق في "بناء الأمم"، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، فإن إغلاق العراق سيعني عدم السماح بخروج جيل جديد من الإرهابيين "الأكفاء" القادرين على تهديد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها حول العالم، ناهيك عن تهديد الأراضي الأميركية على نحو ما حصل في 11 أيلول، وما "يحصل" الآن في بريطانيا.

أما بالنسبة لدول جوار العراق، فيمكن القول إن عودة مواطني هذه الدول المقاتلين والمدرًّبين في العراق، وما قد يقدمون على تنفيذه من عمليات إرهابية أيا كان حجمها ومدتها، فيبدو أهون مشكلات هذه البلدان. فصندوق باندورا "الإقليمي!" للشرور الذي فتحته الولايات المتحدة بغزوها للعراق، والذي يستحيل إغلاقه، لم يكن بجعل هذا الأخير ملاذا آمنا لمن تسميهم الولايات المتحدة بالإرهابيين، ذلك أن الخطر الأكبر يأتي من عوامل أخرى مختلفة تماما.

ثمة مثالان قادران على توضيح ملامح الصورة الإقليمية المتفجرة، التي سيطلق شرارتها العراق أيا كان وضعه، سواء أكان عراقا مستقرا أو كان عراقا غير مستقر، وهي الصورة التي ستستحق مسمى "الحروب الأهلية الإقليمية" أو "الحروب الأهلية العابرة للحدود"!

المثال الأول والاحدث يأتي من تركيا؛ فخلال الشهر الحالي، وتحديدا في العاشر والسادس عشر منه، هز انفجاران منتجعين سياحيين هناك. وقد يبدو من الممكن القول للوهلة الأولى إن هذين العملين وغيرهما، سابقا ولاحقا، لا يعدوان أن يكونا عملين إرهابيين لا يختلفان في شيء عن الإرهاب الذي يجتاح المنطقة ككل، ومنسجما مع التحذيرات الأميركية السابقة التي تم إيجاد حل بسيط و"ناجع" لها، يتمثل بمزيد من التعاون الأمني الإقليمي بين العراق ودول جواره. لكن مثل هذا التشخيص لاستعادة حزب العمال الكردستاني "التركي" نشاطه الآن يبدو نموذجا لرؤية قاصرة للأبعاد الإقليمية لمستقبل ما يجري في العراق، عندما يتم استحضار المثال الثاني، وهو مواجهات القامشلي بين الأكراد السوريين وقوات الامن هناك خلال الفترة 12-16 آذار 2004، والتي تم إحياء ذكراها السنوية الأولى -وهنا الدلالة- في مدينتي "دهوك" و"أربيل"، الواقعتين ضمن منطقة كردستان العراقية!

فالشعور القومي لدى الأكراد في تركيا وسورية، وفق النموذجين السابقين، لن يجد الإلهام فقط من حالة الاستقلال شبه التام التي يعيشها الأكراد في العراق، بل وسيجد الدعم أيضا، وبالوسائل كافة، من قبل هؤلاء، ولا سيما على الصعيد الشعبي. ولن يكون بالإمكان كبح هذا الدعم الكردي العراقي رسميا، ولو بمساندة قادة الاكراد العراقيين أنفسهم، ليكون علينا مستقبلا توقع حالة أشبه بتلك الموجودة في حالة الدعم الباكستاني غير الرسمي، وإن ضم شخصيات رسمية، للمقاتلين الكشميريين ضد القوات الهندية، وخروجا على أية رغبة باكستانية رسمية في الفترة الاخيرة.

إذا كان ذلك على صعيد "الأقليات" العرقية، فالتكوينة العراقية الطائفية كما هو حال أغلب الدول العربية المجاورة للعراق، تجعل من الصورة أكثر قتامة وربما دموية. فالعراق ذو الاغلبية الشيعية التي باتت تحكمه الآن، سيغدو عامل ضغط على جميع الدول العربية التي تشتمل على أقليات شيعية، عددا أو نفوذا، إن كإلهام لتلك الأقليات أو كمصدر دعم لها، تماما كما هو الحال على صعيد الاكراد. وعلينا أن ننتظر كثيرا من القلاقل، والتفجيرات القائمة على اساس طائفي في غير بلد خليجي وصولا إلى اليمن، وعلى شاكلة أحداث صعدة بقيادة الشيخ الشيعي الحوثي.

بل إن مثل هذا الحراك العنيف قد لا يكون قاصرا على الأكراد والشيعة في المنطقة، إنما قد يمتد إلى كل أقلية أخرى، عرقية كانت أم دينية، تم قمعها ومحاولة صهرها في الأغلبية. لأن ما يحصل سيكون محفزا لحراك جميع المهمشين.

هذه الاحتمالات تبدو متوقعة في حالة الوصول بالعراق إلى وضع الاستقرار، وتحقيق معجزة خلق المواطنة، والانتصار على عقلية الثأر "على الهوية" عن ما مضى! أما إذا استمرت هذه العقلية على نحو ما هو عليه الوضع الآن، فعلينا أن نتوقع حروبا أهلية مماثلة تماما في أطرافها ومنطلقة من ذات العقلية الثأرية في بلدان عربية أخرى، لكن مع تبدل في موقع الضحية والجلاد!

هل من مخرج؟ الفكاك من إسار دائرة الموت الإقليمية المغلقة يبدأ من إدراكنا أن الديمقراطية، وعمادها المواطنة، ليست ترفا خطابيا أو دستوريا، وان صيانة حقوق الإنسان والمواطن، بعيدا عن أي معيار آخر، ضرورة حياة للجميع، حكاما ومحكومين.

 

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق