مواجهة الارهاب بتقصي أسبابه

تم نشره في السبت 23 تموز / يوليو 2005. 02:00 صباحاً

    يزداد الجدل حِدَّةً في بريطانيا حول مُسبِّبات هجمات السابع من تموز في قلب العاصمة البريطانية لندن. فريق يقول إن تبعية رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، لسياسة واشنطن، وحرب العراق بالذات، أدت إلى تأجيج الغضب الإسلامي وجعلت لندن هدفاً رئيساً "للإرهاب". وذلك يعني أن بلير يتحمل مسؤولية مباشرة عن تعريض بلده وشعبه لخطرٍ كان يمكن تفاديه.

      فريق آخر، وهو فريق الحكومة بالطبع، يتصدّى لهذه النظرية بنفي أية علاقة بين هجمات لندن وحرب العراق، أو حرب أفغانستان، أو حرب أميركا على الإرهاب، تلك الحروب التي أيدتها حكومة بلير بقوّة. وتستند هذه الحكومة في دعم موقفها على أن الإرهاب هو خطر قائم قبل تلك الحروب، وأن أضخم العمليات الإرهابية، والتي وقعت في 11 أيلول 2001، سبقت حربي العراق وأفغانستان. وتبرّر حكومة بلير موقفها المؤيد لواشنطن بأنه لا يمكن لبريطانيا أن تقف مكتوفة الأيدي بينما تتصدّى واشنطن، ودول أخرى مؤيدة لها، لظاهرة الإرهاب التي تهدّد أمن وسلام العالم بأسره.

     بالرغم من أن هذا التبرير يتضمّن بعض الصحّة، إلا أن نسبة البريطانيين الذين يربطون بين هجمات لندن ومشاركة بريطانيا لأميركا في حربها على العراق تزداد باستمرار، إلى أن وصلت إلى 75%. وأوردت صحيفة "الغارديان" (19 تموز 2005)، نتيجة استطلاع للرأي أجرته الصحيفة، انتهى ليس فقط إلى تأكيد تلك النسبة العالية (75%)، بل وأضاف إليها أن هؤلاء أيضاً يعتقدون بأن بريطانيا ستتعرّض لهجمات انتحارية جديدة. وبحسب استطلاع "الغارديان" أيضاً، فإن 33% من البريطانيين يحملون رئيس الوزراء بلير نسبة كبيرة من المسؤولية عن هجمات لندن، بينما يحمّله 31% مسؤولية "قليلة"؛ ما يعني أن 64% يحملونه المسؤولية، وتلك نسبة كبيرة، كما أنها ظاهرة مقلقة لبلير وحكومته.

     وكان موقف الحكومة البريطانية قد ازداد حرجاً عندما نشر المعهد الملكي للشؤون الدولية، "تشاتام هاوس"، تقريراً يربط بين هجمات لندن وحرب العراق، ويقول: "إنه لا يوجد أي شك بأن الموقف من العراق قد وضع بريطانيا والحرب على الإرهاب أمام صعوبات محدّدة... وأن المملكة المتحدة تواجه خطراً خاصّاً، كونها الحليف الأقرب للولايات المتحدة".

    في معرض دحضه للتقرير، كرّر وزير الخارجية البريطاني، جاك سترو، أن الإرهاب بدأ قبل حرب العراق، وضرب مواقع كثيرة من العالم. وقال: "إنني أستغرب أن تطلع علينا تشاتام هاوس الآن بالقول إنه لم يكن من واجبنا أن نقف كتفاً بكتف مع حلفائنا -منذ زمن طويل- في الولايات المتحدة!". وأضاف قائلاً: "إن زمن تبرير الإرهاب قد ولّى".

المشكلة أن هذه كلها أنصاف حقائق. فالإرهاب موجود فعلاً قبل حرب العراق، والإرهاب بصيغ مختلفة موجود، وهو خطر يهدّدنا جميعاً، ولا يجوز أن يكون هنالك أي تبرير للإرهاب، كما لا يجوز أن تحجم بريطانيا أو يُحجم غيرها عن المشاركة في أي جهد لتخليص العالم من شرّه وخطره المتنامي. لكن كل ذلك لا يعني أن لا نبحث عن النصف الآخر من الحقيقة، وهو:

أولا: البحث عن أسباب الإرهاب لا يعني التبرير، لكنه يعني تفسير الظاهرة من أجل تسهيل وضع استراتيجية ناجعة لمواجهتها. إن أحد أهم أسباب فشل الحرب على الإرهاب هو التهرّب من إجراء أي تحرّ جادّ عن الأسباب والمسببات بقصد تضييع المسؤولية، وبالتحديد حتى لا تصل أصابع الاتهام إلى إسرائيل، التي ورطت أميركا ومن ثم ورطت أميركا دولاً أخرى غيرها منها بريطانيا. فالمشكلة إذن لم تبدأ بحرب العراق، ولا بأحداث 11 أيلول، بل بدأت قبل ذلك بأكثر من ثلاثة أرباع القرن، إذ ظل الظلم يتراكم، وظل دور الدول الاستعمارية يتفاقم طيلة القرن الماضي.

    ثانيا: عندما تعرّضت أميركا للهجمات الإرهابية في 11/9/2001، وقف العالم بأسره معها في حربها على الإرهاب التي بدأت بغزو أفغانستان. وكان من الطبيعي أن تقف بريطانيا، كما وقفنا جميعاً، مع أميركا في تلك الحرب. لكن المشكلة بدأت عندما تخلّت أميركا عن حرب الإرهاب، ووجهت جيوشها، وبريطانيا معها، لحرب عدوانية ظالمة على العراق، دون إثبات أي من الذرائع التي اخترعتها أجهزة المخابرات في البلدين لتبرير الحرب، ودون مراعاة للغضب والرفض اللذين عمّا العالم، وعمّا بريطانيا بالذات، ضدّ تلك الحرب. وقد ارتبط هذا الموقف الجديد بموقف بريطانيا المتشدّد السابق من العراق خلال فترة العقوبات الصارمة التي فرضتها الأمم المتحدة عليه خلال تسعينيات القرن الماضي، عندما وضع الشعب العراقي البريء برمته تحت طائلة العقاب الجماعي، وعندما فقد أكثر من نصف مليون طفل بريء حياته نتيجة العقاب الدولي الجماعي الظالم. وكانت بريطانيا هي الأكثر تصلُّباً -بعد أميركا- في تطبيق العقوبات الصارمة ضدّ العراق. فالمأخذ الرئيس على بريطانيا هو ليس وقوفها مع أميركا ضدّ الإرهاب، بل وقوفها مع أميركا حين تخلّت عن مواجهة الإرهاب نحو مواجهة العراق.

    ثالثا: لاتزال الحرب على الإرهاب واجبا على المجتمع الدولي بأسره، ولا يزال الإرهاب بأشكاله وصيغه وممارساته المختلفة، وخطره المتنامي، يهددنا جميعاً، لكن علينا أن لا ندخل في متاهات التضليل من أجل إخفاء المسؤولية، في الوقت الذي تقتضي أية معالجة إجراء التشخيص المسؤول والجريء للأسباب والمسببات. مرّة أخرى، لا للتبرير بل لتسهيل مهمّة المعالجة.

    لقد أضاع العالم، راضياً أو مرغماً، فرصة التشخيص بعد أحداث 11 أيلول، فكبر الخطر. فلنأمل أن لا نضيّع الفرصة مرّة أخرى بعد أحداث 7 تموز في لندن من أجل نجاة المسؤولين على حساب أمن وسلام العالم وبريطانيا، وشعبها العريق من ضمن هذا العالم.

التعليق