كثير من التجارة قليل من المعونات

تم نشره في الاثنين 18 تموز / يوليو 2005. 02:00 صباحاً

  كانت قمة مجموعة الثماني الأخيرة، علاوة على الحفلات الموسيقية والأنشطة التي شاركت فيها شخصيات من المشاهير، بمثابة ضوء مسلط على مجمل المعونات الدولية التي تتلقاها دول وشعوب قارة أفريقيا. ونستطيع أن ندرك مدى أهمية هذه التحركات في ضوء الفقر الأزلي الذي تعاني منه القارة، والنزاعات والصراعات التي تبدو بلا نهاية، وتفشي مرض الإيدز والفيروس المسبب له، علاوة على أمراض أخرى معدية. وإذا ما أولينا المساعدات الدولية اهتماماً صادقاً وحَرِصْـنا على تكييفها مع الإصلاحات، فإنها تستطيع أن تحدث اختلافاً إيجابياً جذرياً.

    لكن المعونات ليست علاجاً سحرياً يداوي كـل المشاكل. ذلـك أن استمرار الـعديد من المشاكل على حالها على الرغم من عشرات المليارات من الدولارات التي حصلت عليها الدول فـي هيئة معونات وعلى الرغم مـن أعوام عديدة من الجهد المبذول، يجعلنا ننتبه إلى حقيقة حزينة، ألا وهي أن المعونات قد تسمح للحكومات بالدخول في استثمارات حمقاء لا تحقق نفعاً يُـذْكر، أو ربما تتسرب هـذه المعونات إلى مسارات مشبوهة عـلى أيدي المسؤولين الحكوميين الفاسدين. فضلاً عن ذلك فإن المعونات لا يعتمد عليها، فهي في أغلب الأحوال تترك شعوب أفريقيا تحت رحمة قوى خارجية لا قبل لهم بالسيطرة عليها.

     هناك نقيصة أخرى تشوب مسألة الاعتماد على المعونات(علاوة على العجز شبه التام عن قياس حجم تدفق المعونات من كافة الموارد على نحو دقيق)، ألا وهي أن الجهود السياسية الرامية إلى زيادة تلك المعونات تجذب قدراً كبيراً من الاهتمام الذي كان من الأفضل أن يتم توجيهه نحو أداة أكثر قوة وفعالية من أدوات التنمية الاقتصادية: وهي التجارة.

إن التجارة هي السلاح المنسي في المعركة ضد الفقر، لكنها تستطيع أن تساعد الفقراء على نحو يفوق ما تقدمه المعونات لهم. ولو كانت الدول الغنية ـ وعلى نحو خاص الولايات المتحدة، ودول الاتحاد الأوروبي، واليابان ـ راغبة حقاً في مساعدة الشعوب الفقيرة، لكانت قد بادرت إلى فتح أسواقها أمام منتجات الدول الفقيرة، وبصورة خاصة المصنوعات النسيجية، والملابس الجاهزة، والمنتجات الزراعية، والسلع والبضائع.

       إن الإلغاء المرحلي التدريجي للتعريفات الجمركية وحصص الاستيراد النسبية المفروضة على صادرات الدول الفقيرة - علاوة على الإلغاء التدريجي للإعانات التي يحصل عليها منتجو المنتجات الزراعية -من شأنه أن يخلف آثاراً هائلة على حياة مئات الملايين من الناس في أفريقيا وأماكن أخرى من العالم. ولسوف يؤدي ذلك بالتالي إلى تنمية المشاريع التجارية الخاصة، وخلق فرص العمل، وزيادة الدخول.

      فضلاً عن ذلك فإن الفوائد التي قد يجنيها العالم من التجارة كثيرة متعددة، ذلك أنها تشكل دافعاً رئيسياً لدول العالم المتقدمة على الصعيد الاقتصادي. فقد قَدَّرَت دراسة حديثة أن الدخول في الولايات المتحدة فقط قد ترتفع بمقدار 500 مليار دولار سنوياً إذا ما أصبحت التجارة العالمية حرة حقاً. وعلى نحو مماثل، فلسوف تزيد الدخول في كل أنحاء العالم على نحو ملحوظ نتيجة لتحرير التجارة العالمية سواء في مجال السلع أو الخدمات.

      كما تشكل التجارة مُـحَرِّكاً للإصلاح السياسي والاقتصادي. ذلك أن الشروط التي يتعين على الدول أن تفي بها من أجل الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية تعكس على وجه التحديد نفس الالتزامات التي يتعين عليها أن تتعهد بها لكي تتحول إلى دولٍ ديمقراطية منتجة: وهي باختصار قبول حكم القانون وتقليص الفساد والانفتاح وتحمل المسؤولية والشفافية. وفي ذات الوقت فإن المزيد من التجارة من شأنه أن يساعد على تكوين وصيانة طبقة متوسطة ـ أو بالتحديد تلك الطبقة الاجتماعية التي كثيراً ما تقف في طليعة الحركات المطالبة بالإصلاح الديمقراطي.

      علاوة على ذلك فإن التجارة تعكس مصلحة استراتيجية، ذلك أنها تضمن لدول العالم قدراً من العلاقات الطيبة بين كل منها والدول الأخرى، فتعمل بذلك على صيانة النظام والاستقرار. ومن البديهي أن الصين التي تتاجر بكثافة مع الولايات المتحدة وجاراتها من الدول الآسيوية، سوف تفكر أكثر من مرة قبل أن تسعى إلى انتهاج أية سياسة من شأنها أن تهدد مثل هذه العلاقات. وعلـى نفس المنوال، فـقد تساهم التجارة بـين الهند وباكستان في تطبيع العلاقات والروابط بين هاتين الجارتين اللتين طال بينهما التنافر والخلاف.

      وعلى الرغم من أن قضية توسيع التجارة العالمية تتطلب اهتماماً عاجلاً، إلا أن احتمالات توسيعها في الواقع تظل مسربلة بالغيوم، ويرجع هذا إلى حقيقة سياسية بسيطة لكنها جوهرية: حيث إن أولئك الذين من المنتظر أن يستفيدوا من التجارة ـ الجميع تقريباً ـ لا يدركون مدى استفادتهم من التجارة في كل الأحوال. ذلك أن الفوائد المترتبة على المزيد من حرية التجارة، مثـل خلق فرص العمل، وتقليص التضخم، وتوسيع الخيارات أمام المستهلكين، تكون في أغلب الأحوال غير منظورة.

       وفي المقابل فإن أولئك الذين سيخسرون من جراء توسيع التجارة، أو أولئك الذين يخشون الخسارة بسبب التجارة، على الرغم من ضآلة عددهم نسبياً، يمثلون شريحة قائمة وذات تأثير واضح. وهم في واقع الأمر يستشعرون التهديد ويتحركون وفقاً لهذا الشعور، فيبادرون في أغلب الأحوال إلى فرض هيمنتهم على العملية السياسية في بلدانهم. والحقيقة أن الأقليات التي تحركها دوافع قوية تستطيع أن تقـهر المصالح العامة للأغلبية العظمى مـن النـاس الذين قـد لا يدركون أبعاد القضية على النحو الصحيح.

        ومن هنا فإن الأمر يتطلب من الحكومات أن تتعهد بمنح قضية تحرير التجارة العالمية أولوية سياسية كبرى. ولن يتسنى هذا إلا إذا أثبتت الدول التجارية المتقدمة التزامها باللعب وفقاً للقواعد.

        وبالنسبة للصين فإن هذا يعني احترام حقوق الملكية الفكرية وتفعيلها، والسماح للشركات غير الصينية بالتنافس على قدم المساواة مع الشركات الصينية، بالإضافة إلى ضبط عملتها عند مستوى عادل بدلاً من تخفيضها على نحو مبالغ فيه. أما بالنسبة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان فإن هذا يعني التوقف عن تقديم الإعانات الضخمة للمزارعين وتقليص أشكال الحماية الأخرى التي توفرها للقطاعات غير التنافسية.

       تستطيع الحكومات أن تتخذ هذه الخطوات إذا ما حرصت على توفير البرامج المصممة لمساعدة أولئك الذين قد يخسرون وظائفهم نتيجة لتحرير التجارة. ولابد من تزويد المزارعين والعاملين الذين سيخسرون وظائفهم بالتعليم والتدريب اللازمين لتأهيلهم للحصول على وظائف جديدة، علاوة على توفير الصناديق الخاصة والرعاية الصحية والخدمات الأساسية الأخرى التي من شأنها أن تساعدهم على التغلب على المتاعب المترتبة على الانتقال من حال إلى حال آخر.

        يتسـم كل ما سبق بطبيعة ملحة. والحقيقة أن الجولة الحالية لمفاوضات التجارة العالمية في الدوحة متخلفة عن الجدول الزمني؛ ولا يفصلنا عـن الجولة القادمة المـقرر انعقادها في هونج كونج سوى بضعة أشهر. ولكن أين كل أولئك الناس الذين يستفيدون من التجارة، بما في ذلك مشاهير الناس الذين يبدون اهتماماً عميقاً بتقليص الفقر وتعزيز التنمية؟ أين أولئك الذين يتمنون للعالم تجارة مزدهرة نابضة بالحياة؟

ريتشارد ن. هاس رئيس مـجلس العلاقات الخارجية ومـؤلف كتاب "الفرصة: اللحظة التي تستطيع فيها أميركا أن تغير مسار التاريخ".

خاص بـ"الغد"

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2005.

www.project-syndicate.org

التعليق