منار الرشواني

أجساد من غير رؤوس!

تم نشره في الأحد 17 تموز / يوليو 2005. 02:00 صباحاً

  رغم كل التحذيرات من استفزازات إسرائيلية للفلسطينيين تدفعهم إلى القيام بعمليات مسلحة ضد أهداف في إسرائيل، وبما يعطي لشارون الذريعة للعودة إلى التنكيل بالشعب الفلسطيني، إلا أن المحذور قد وقع، فكانت "عملية نتانيا"، التي تبنتها حركة "الجهاد الإسلامي"، يوم الثلاثاء الماضي. ورغم ما يعرفه الجميع عن التضحيات التي قدمتها حركة الجهاد الإسلامي إلى جانب الحركات الفلسطينية الأخرى كافة للدفاع عن الحقوق الفلسطينية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وعدوانه المتواصل، إلا أن "عملية نتاليا" بمعطياتها وظروفها ونتائجها تستحق عن جدارة وصف العملية النموذجية التي تستحق الوقوف والتأمل.

  بالتأكيد لم تكن العملية نموذجية في تنفيذها أو هدفها أو نتائجها، فليس هناك من جديد على هذه الصعد، إنما هي نموذجية إذ تعيد طرح ما نجزم أنه الإشكالية الأساس والاهم على صعيد هيكلية أغلب، إن لم يكن جميع، التنظيمات العربية والإسلامية الثورية القتالية، ونقصد بذلك تحديدا علاقة السياسي بالعسكري داخل هذه التنظيمات، وانعكاس ذلك على أدائها، ليس في الوقت الحالي وحسب، وإنما طوال عقود مضت من العمل التحرري والثوري والنضالي.

فعقب عملية نتانيا مباشرة، بدا الارتباك واضحا على الجناح السياسي لحركة الجهاد الإسلامي، إذ سارع إلى تبريرها لكنه لم يعلن تبني الحركة لها، ثم ما لبث، وبعد برهة قصيرة، أن عاد الجناح السياسي إلى تبني العملية والدفاع عنها وتبريرها! تُرى ما الذي يشي به هذا الوضع؟

  يمكن تفسير هذا الارتباك من خلال أحد سيناريوهين؛ الأول أن الجناح السياسي لحركة الجهاد الإسلامي -الذي يفترض أن يكون المسؤول الاول والأخير عن جميع المفاصل الرئيسة للعمليات العسكرية منذ مراحلها الأولى (التخطيط والتوقيت والهدف المحدد)، وحتى مرحلة التنفيذ وتبني تلك العمليات- ليس له من الموقع داخل الحركة إلا اسمه، إذ بدا كأي طرف آخر في أقصى أقاصي الأرض، يتلقى معلوماته من خلال الإعلام، بعبارة أخرى لم يكن للجناح السياسي في حركة الجهاد الإسلامي أدنى دور في العملية العسكرية!

  أما السيناريو الثاني، فيبدو محتملا من خلال مسارعة الجناح السياسي للحركة إلى تبرير العملية دون تبنيها؛ فهل كان هذا مؤشرا على وجود خلاف بين الجناح السياسي للحركة وكوادرها العسكرية المقاتلة على الأرض، بحيث كان الجناح السياسي يتوقع حصول "تمرد" ما من قبل الكوادر العسكرية على قرار التهدئة الذي ارتضته الحركة عقب مجيء الرئيس محمود عباس إلى السلطة، فسارعت الحركة إلى الاحتفاظ بهامش للمناورة؟

  إن كان أي من هذين السيناريوهين صحيحا، فيحسب لعملية نتانيا أنها ذكرتنا بالكارثة المزمنة الأخطر في تاريخ العمل الثوري العربي والإسلامي، وهي كون الكثير من الحركات الثورية العربية والإسلامية، تبدو أقرب إلى "أجساد من غير رؤوس"، أجساد قد تكون قوية وصلبة، تتمثل بالكوادر العسكرية، إنما تفتقد إلى الرأس السياسي، المخطط والمفكر والمتدبر للعواقب، والقادر على الموازنة، وفقا لأي حساب عقلاني، بين الخسائر والمغانم.

  في هذا السياق، يمكن لنا تفسير كيف تصبح الولايات المتحدة، وبشكل قد يبدو ملغزا ومستثيرا لنظريات المؤامرة، المستفيد الأكبر على غير صعيد من استهدافها بعمليات من قبيل أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، والتي تنسب إلى تنظيم القاعدة "العربي" و"الإسلامي"! وكيف تغدو الجاليات الإسلامية في أوروبا كلها، ناهيك عن المواطن العربي والمسلم في وطنه، المتضرر الأكبر، ولربما الأوحد، من تفجيرات لندن الأخيرة! ببساطة إنه غياب الرأس "المعقلِن"!  

  لكن، وبالعودة إلى عملية نتانيا، فماذا لو كانت الافتراضات والسيناريوهات السابقة خاطئة، وأن العملية تمت بتوافق تام بين الرأس السياسي والجسد العسكري لحركة الجهاد الإسلامي؟

بالنظر إلى تبعات العملية التي أدت إلى إطلاق يد شارون للعودة إلى إبادة الشعب الفلسطيني، وضمنهم خيرة شباب المقاومة الفلسطينية، مع صمت ولربما تأييد دولي، ونتائج أخرى في المستقبل تمس أيضا الأرض الفلسطينية، في هذه الحالة تكون المصيبة أعظم! وأن على أولئك الذين يزعمون العمل السياسي أن يغادروا الساحة فورا، وبالاستناد إلى نص إسلامي شرعي مثبت! فعندما طلب الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري من محمد صلى الله عليه وسلم أن يوليه على إحدى المدن العربية، ضرب رسول الله بيده على منكبي أبي ذر وقال: "يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها".

التعليق