الملك يقود مسيرة التصدّي لآفة العصر

تم نشره في السبت 2 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

  التشخيص الدقيق الذي تضمنته رسالة جلالة الملك عبدالله الثاني لتفشي ظاهرة الفساد، والدعوة الصريحة والرسمية الموجهة إلى رئيس الوزراء وللوزراء لمحاربته، تضعنا جميعاً أمام فرصة تاريخية لتحرير مجتمعنا، بكل مؤسساته، من سرطان الفساد الذي "يبدد الطاقات، ويكرّس الإحباط، ويزعزع ثقة المواطنين بمؤسساتهم، ويحرمهم من فرصهم المشروعة"، كما وصفته الرسالة الملكية السامية.

فالفساد ليس هو مجرّد الاعتداء على المال العام، ولا حتى على المال الخاص، ولا هو استغلال النفوذ والمركز الرسمي وحسب؛ فهذه أوجه هامة للفساد، لكن الأوجه الأخرى، التي لا عدّ لها ولا حصر، تنطلق من ثغرات هائلة في القوانين، تمنح امتيازات لفئات معينة في الدولة. وتلك الامتيازات هي بدورها التي توفر الغطاء لممارسات غير دستورية وغير أخلاقية وغير وطنية وغير معقولة، عدا عن أنها تستهلك مقداراً كبيراً من الإمكانات المالية المتواضعة، والمتوفرة لسد حاجات أولى وأهم.

فقد نص الدستور (المادة 6-1) : "الأردنيون أمام القانون سواء، لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات"، لكن الحقيقة القاسية التي عبر عنها جلالة الملك بوضوح في رسالته إلى الحكومة، والداعية إلى دعم قدرة مؤسسات الدولة "على ضمان توفير العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص في توزيع مكتسبات التنمية"، تؤكد أن العدالة والمساواة غير متوفرة بالقدر الكافي لضمان صحّة المجتمع وسلامته وأمن مواطنيه.

صحيح أنه من المفروض أن توفر الدولة لفئات موظفيها والمسؤولين فيها كافة، بدءاً بالوزراء، التسهيلات اللازمة لغايات أداء المهمّة، لكن فقدان الضوابط يفسح المجال للبذخ والتبذير على حساب المال العام، وذلك أيضاً هو وجه مقنّع من وجوه الفساد، تتطلب معالجته استئصال الجذور، وتجفيف المنابع كما طلب جلالته.

فإذا كانت متطلبات العمل الرسمي تشمل توفير وسائل الانتقال أو تخصيص سيارة مثلاً، فإن ترك الباب مفتوحاً للتطبيق بحسب المزاج من شأنه أن يضخّم الإنفاق أضعاف ما يلزم  لتأدية الغرض، وأن يدخل مثل هذا الإنفاق ضمن فئة الفساد.

فالحاجة الرسمية يمكن أن تلبى، بنفس الكفاءة والفعالية، بجزء بسيط ممّا نشهده من إنفاق، سواءً أكان الأمر يتعلق بالسيارات الفارهة (التي تصل قيمتها أحياناً إلى أكثر من ثلاثة أضعاف بدائلها)، أو بالأثاث أو المصروفات الأخرى، التي لا بد من ضبطها وتقنينها، دون أن يكون لذلك أي تأثير على كفاءة الأداء، وإنما سيكون له أكبر مردود على احترام المواطن لمؤسساته ومسؤوليه، وكذلك على ثقته بها، وتفهّمه وتقبّله لأي إجراء لشدّ الأحزمة والترشيد تتخذه الدولة.

فالمواطن يتساءل دوماً: هل رفع الأسعار عليّ كمواطن هو فعلاً لأن هذه هي الإمكانات المتوفرّة، أو لأن التضييق على المواطن هو لإفساح المجال لمزيد من البذخ من قبل مسؤول أو صانع قرار؟! والمواطن يتساءل، ومن حقه أن يفعل ذلك، عن مبرر استخدام سيارات لغايات غير رسمية مع أن المفروض أنها مخصصة للعمل الرسمي، وأكثرها تكلف الواحدة منها الخزينة ما يكفي لشراء سيارتين أو أكثر لتأدية نفس الغاية، وأكثرها أيضا تستهلك مبالغ كبيرة للتأمين والصيانة والبنزين، تلك المصروفات التي تتضاعف وتتزايد كلما كانت السيارة أصلاً أغلى وأفخم؟! فسيارات الوظيفة في كل بلدان العالم المتقدّمة هي سيارات أساسية ومتواضعة وعملية، ومخصصة بدقة وانضباط لتأدية العمل الرسمي فقط.

نأمل أن لا تغفل الحكومة الرشيدة، في ترجمتها للرسالة الملكية العظيمة، مراجعة امتيازات ترسخت وتجاوزت حدود الحاجة إليها. فليس هناك أي معنى لتمييز سيارات الوزراء والنواب والأعيان وأية فئة أخرى غيرها بأرقام خاصّة، إلا إذا كانت الغاية وضعها فوق القانون، وتلك مخالفة صريحة للدستور يجدر أن لا تستمر.

فالقيادة بالقدوة هي اعلى درجات الرشد، وهي بداية الطريق لاستعادة ثقة المواطن بمؤسساته وبحكوماته المتعاقبة. والجنوح الرسمي نحو التواضع في أنماط سلوكنا وحياتنا هو الخطوة الأولى نحو تصويب قيم المجتمع المنهارة، وإنهاء حالة التسابق في ميدان لا قدرة للفقير على اقتحامه؛ ميدان المبارزة حول من هو أقدر على البذخ والمباهاة في الحفلات والأعراس والممارسات الكثيرة الأخرى المختلفة، وكل ذلك يقع ضمن قائمة الفساد.

لقد كان لقضية سيارات أعضاء مجلس النواب تأثير كبير على معنويات الناس، ليس من قبيل التشكيك في حق ممثلي الشعب في أن تتوفر لهم كل المتطلبات اللازمة لأداء المهمّة الجليلة التي وجدوا من أجلها، ولكن لأن القضيّة برزت في الوقت الخطأ، ولأن السيارات المنتقاة أعطت الانطباع بأن الغاية هي البحث عن الترف وليس الحاجة، ولأن الادعاء بأن ثمنها سيسدد من موازنة مجلس النواب، أثار أسئلة كثيرة: من أين تأتي موازنة مجلس النواب؟ وإذا كانت وفراً من بند المياومات والسفر كما قيل، فلماذا يخصص لهذا البند ما يحقق مثل هذا الوفر في ظل ظروف مالية واقتصادية عسيرة يمر بها البلد، وتستوجب معالجتها رفع أسعار الحاجات الأساسية على المواطن؟ وهناك السؤال الأهم: فهل يجوز لممثل الشعب، وصانع القانون، والرقيب على عمل الدولة، والضامن لتطبيق القوانين وسلامة الأداء، هل يجوز أن يتحول إلى موظف ويطالب بالمساواة بحقوق الموظف، أياً كان مستوى هذا الموظف؟

رسالة جلالة الملك فرصة تاريخية لكسر حلقة العبث، والانطلاق من مرحلة الحلول اللفظية إلى الحلول العملية؛ فالمطلوب هو مراجعة شاملة لقيمنا وممارساتنا، وأساليب عيشنا الرسمي والشخصي، بحيث لا تتجاوز أرجلنا حجم فراشنا، ولا نجد أنفسنا في العراء.

التعليق