لقاء غير ودي

تم نشره في الخميس 23 حزيران / يونيو 2005. 02:00 صباحاً

     هكذا وصف لقاء عباس- شارون، الذي انعقد يوم الثلاثاء الماضي، من قبل أحد كبار المسؤولين الفلسطينيين المشاركين فيه. لكن هل كان عباس بالفعل يتوقع من شارون أن يقدم له التنازلات التي ترضيه، وتعيده الى رام الله منتصرا؟!

     لا نعتقد أن أكثر المتفائلين كان يتوقع ذلك. ونعرف جميعا أن المقولة الكلاسيكية لليمين الإسرائيلي "إن إسرائيل لن تتنازل ما دام العنف يوظف فلسطينيا من أجل تحقيق مكاسب سياسية" هي التي ستكون مفتاح الموقف الاسرائيلي في اللقاء المشار إليه. أما التنازلات التي تقدم بها الطرف الاسرائيلي، مثل تسليم مدينتي قلقيلية وبيت لحم للسلطة الفلسطينية في الاسابيع المقبلة، فكانت ثانوية وكانت أيضا تحصيل حاصل، ولا يمكن لأبو مازن أن يقدم هذه التنازلات كمكسب تحقق من اللقاء.

      إلا أن أصدق ما في اللقاء هو موقف الرئيس عباس، الذي مفاده أن على إسرائيل تقويته إن أرادت أن يقوم ببذل المزيد من الجهد لوقف العنف المتقطع. وعباس يعرف أكثر من غيره، بحكم تجربته السابقة رئيسا للوزراء، أن شارون غير مهتم بتاتا بتقوية رئيس السلطة ما دام ان الأول قادر على تنفيذ خطته للانفصال بعيدا عن الفلسطينيين. وشارون، وبالرغم من تغني الكثير من الإسرائيليين ببراغماتيته، الا انه لا يرتاح مطلقا للتعامل مع الفلسطينيين، فهو يتميز ببنية ذهنية ليس فيها مكان للتعامل مع الطرف الآخر باحترام، وهذا ما يميزه أيضا عن رابين على سبيل المثال.

         ولهذا السبب نجده يدعم فكرة تدمير بيوت المستوطنين بعد إخلائها حتى لا يستفيد منها الفلسطينيون. وبالمناسبة، فإن فكرة تدمير هذه البيوت قد لا تكون شيئا سلبيا!

سيقوم العديد من العرب بتوجيه النقد اللاذع لعملية تدمير هذه البيوت، إلا أن ذلك لن يوقف شارون في حال اتخاذ الحكومة الإسرائيلية قرارا بذلك. وللمقارنة التاريخية، نسوق قيام اسرائيل بتدمير القرى العربية بأكملها بعد نكبة العام 1948 وتشريد الفلسطينيين منها، فقد أرادت إسرائيل أن تمسح من الذاكرة وجود الفلسطينيين في هذه القرى، وذلك بمحوها عن الارض. أما في حالة المستوطنات، فإن عملية تفكيك وتدمير هذه المستوطنات أمام عدسات التلفزيون سيخلق صدمة قوية لكل المستوطنين، وسيضعف من إيمانهم بالمستوطنات كقيمة صهيونية، شكلت العمود الفقري للفكرة الصهيوينة. إذن، سيكون التدمير بمثابة إدانة لفكرة المستوطنة المستعمرة. إضافة الى ذلك، فإن تدمير المستوطنات سيقنع الاسرائيليين وللأبد بأنه لا إمكانية للعودة الى غزة.

        الطريف في اللقاء أن كلا الجانبين اشتكا من القيود الداخلية التي يواجهانها. شكوى شارون أنه سينفذ عملية إخلاء بحجم غير مسبوق، ومن ثم فهو لا يحتمل، داخليا، أن يستمر الفلسطينيون بالعنف، لأن ذلك سيضعفه، خاصة في ضوء الحراك السياسي لحزب الليكود والعمل، وقد يؤثر على فكرة الانفصال برمتها. وإذا كان هذا المنطق سليما مئة بالمئة، إلا أنه لا يقود شارون إلى تقديم الجزرة للفاسطينيين، وبدلا من ذلك فهو يستعمل العصا، والعصا الغليظة من أجل ردع الفلسطينيين، ومن أجل التأكيد للشارع الاسرائيلي أنه يتصرف من واقع قوة لا ضعف. يخفق شارون في الاستفادة من وجود حزب العمل في ائتلافه، والذي يفترض أن يساعد شارون على تقديم تنازلات مناسبة للفلسطينيين دون الخوف من معارضة؛ إذ لا توجد معارضة في الكنيست من النوع المؤثر.

          أما شكوى عباس بأنه مقيد داخليا فهي صحيحة أيضا مئة في المئة، وهو يدرك أن مفتاح الحل يكمن في يدي شارون الذي يستطيع نظريا تقوية عباس في الساحة الفلسطينية الداخلية، وعندها فقط، والكلام لعباس، يستطيع أن يعمل وبقوة ضد القوى الرافضة للسلام والساعية الى تدمير عملية السلام. لكن المشكلة في هذا الطرح أن الزمن لا ينتظر احدا، كما لا يمكن الركون الى الخصم من أجل تقوية أبو مازن. فالمفروض أن شرعية حكم رئيس السلطة الفلسطينية مستمدة من الشعب الفلسطيني الذي منحه إياها في انتخابات الرئاسة. وأكثر من ذلك، فقد حقق الرئيس عباس مكاسب كبيرة في زيارته الأخيرة للولايات المتحدة، والمفترض به أن يقوم بالبناء عليها من أجل ضبط الرافضين لعملية السلام والهدنة. وفوق كل ذلك، يفترض بالرئيس عباس الاستفادة من الاعتدال الذي طرأ مؤخرا على حركة حماس، ومن الحراك الاوروبي الحماسي في المسير معه في تطبيق الأجندة التي انتخب على أساسها.

       لكن بدلا من ذلك نجد الرئيس عباس ومن معه يبررون عدم قدرتهم على العمل بالضعف الداخلي الذي سببته إسرائيل. ولا يختلف اثنان حول أسباب الضعف وحجم القيود الإسرائيلية، إلا أن ما لا يبدو ممكنا فهمه هو مقولة "إن إسرائيل تحاول دفع الفلسطينيين الى حرب أهلية، وبالتالي فإن السلطة لن تسمح بذلك"! فهذا كلام جميل ولا يمكن تخيل أن تسمح السلطة بذلك، الا أن استخدام هذه المقولة ايضا لتبرير التقاعس تجعلها مشابهة تماما للمقولة الاسرائيلية حول العنف الفلسطيني كمبرر لعدم تقديم تنازلات.

        إن مزيجا من الحزم والاستمرار في انتخابات تشرك القوى كافة، والتي في حال نجاحها ستقوم بتغيير الكثير من مواقفها المتصلبة، يبدو هو المخرج. لكن الخشية من أن تلجأ حركة فتح إلى استخدام موقف شارون كحجة من أجل ممارسة إقصاء سياسي للفصائل الأخرى، تماما كتبرير الدول العربية لعدم الاصلاح بذريعة استمرار الصراع العربي الاسرائيلي، إذ إن الخاسر في كلتا الحالتين هو الشعوب العربية بما فيها الشعب الفلسطيني.

استاذ العلوم السياسية-الجامعة الأردنية

التعليق