منار الرشواني

حتى لا تكون سورية هي الثانية على القائمة!

تم نشره في الخميس 23 حزيران / يونيو 2005. 02:00 صباحاً

عقب أيام فقط من اغتيال الصحافي سمير قصير، وتحديدا  في العاشر من حزيران الحالي، نسبت صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أحد كبار مسؤولي الإدارة الأميركية قوله بتوفر معلومات "موثوقة" لدى الولايات المتحدة حول وجود قائمة سورية لاغتيال عدد من القيادات السياسية اللبنانية. ومع اغتيال الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني، جورج حاوي، يوم أول من أمس، فقد عاد التساؤل من جديد حول ما إذا كانت هذه القائمة موجودة فعلا، وأن جورج الحاوي كان مدرجا عليها، وبالتالي اتهام سورية بكونها المسؤولة عن اغتياله كما اغتيال سمير قصير؟

إذا كان الرئيس رفيق الحريري المسؤول المباشر عن صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559، والذي أفضى في المحصلة إلى إنهاء 29 سنة من الوجود العسكري السوري في لبنان، وإذا كان سمير قصير قد عرف بانتقاده الجريء لـ"النظام الأمني والبوليسي" الذي ترافق وهذا الوجود، بل والحديث عن دور له في "ربيع دمشق" الذي لم يزهر... فهل يبدو من المنطقي افتراض أن جورج حاوي، برمزيته ودوره وخطابه المعتدل إلى أبعد الحدود، قد استحق مصير الحريري وقصير، وإن اتخذ مواقف متعارضة مع النظام السوري؟

في وقت سابق تحدثنا عن فرضية أن "النظام السوري" لم يعد نظاما واحدا، بل غدا أنظمة متعددة وأجنحة متصارعة، على الأقل بين جناح يتبع للرئيس بشار الاسد، وجناح آخر لا ندري من يقف خلفه... وأن ثمة من يحاول إيصال الرئيس الاسد إلى مرحلة المواجهة مع الخارج كما مع الداخل! وتبقى النتيجة واحدة حتى لو صح الافتراض الآخر بأن عمليات الاغتيال في لبنان، لا سيما اغتيال جورج حاوي، تتم من قبل أجهزة خارجية غير سورية، سواء أكانت إسرائيلية أم غير إسرائيلية. والنتيجة هي أن سورية ومعها نظام الرئيس بشار الأسد بالضرورة، هما الهدفان النهائيان لعدم الاستقرار في لبنان، طالما بقيت سورية في دائرة الاتهام، إن لم تكن المتهم الأول والوحيد.

هكذا، وبعد أن كان لبنان -منذ الحرب الاهلية اللبنانية التي اندلعت في العام 1975، والتي كانت المنفذ السوري إلى لبنان، رغم أنها لا تتحمل مسؤولية اندلاعها- ساحة المعركة السورية في سبيل الحصول على دور إقليمي حازت عليه لحوالي ثلاثة عقود خلت، لكنها إذ قررت استغلاله فإنها لم تحسن استثماره، هكذا عاد لبنان ذاته ليكون ساحة معركة، إنما ضد سورية هذه المرة!

بالتأكيد، وعدا عن وحدة الأرض، قد يبدو كل شيء مختلفا في المعركتين، إلا من شيء واحد، وهو وقودهما المتمثل بالشعب اللبناني. ففي الحرب الأهلية، كان الشعب اللبناني كله، نخبا ومواطنيين عاديين (إضافة إلى آخرين، ولا سيما الفلسطينيون الموجودون في لبنان)، هو وقود الحرب. واليوم فإن المعركة التي تشن ضد سورية من على أرض لبنان لا تجد وقودا لها سوى اللبنانيين، إنما النخب والرموز السياسية والفكرية.

لكن إذا كان من المنطقي والعقلاني أن لا تكون سورية متورطة في اغتيال جورج حاوي وقبله سمير قصير، على الأقل، فكيف يبدو من الممكن استغلال جريمتي اغتيالهما لتغدوا اقرب إلى الفتيل المفجر للوضع السوري، والطريق نحو تحقق كارثة أن تكون سورية هي الثانية على القائمة الأميركية بعد العراق؟

الجواب يكمن في الصورة التي رافقت سورية طوال عقود مضت، والمتمثلة في كونها دولة شمولية تفتقر إلى أية درجة من درجات الديمقراطية والانفتاح وقبول الرأي الآخر، بحيث بات من السهل أن تلصق بها تهمة ارتكاب أية جريمة اغتيال لمناوئيها ومعارضيها ولو بالكلمة، كما كان حال سمير قصير وجورج حاوي، وبات من السهل بالتالي تقبل الرأي العام لمثل هذه الاتهامات دون كثير نقاش وجدل، إن وجد مثل هذا الجدل والنقاش أصلا!

إذن، خروج سورية من دائرة الاتهام بما يجري في لبنان يستدعي بالضرورة تغييرا في الصورة المرسومة حولها منذ عقود، أي بمزيد من الانفتاح والديمقراطية.. فإزهار ربيع دمشق الديمقراطي يبدو اليوم مطلبا ملحا لحماية النظام كما الشعب، كي لا تكون سورية هي الثانية على قائمة التحرير الأميركية، التي بتنا نعرف جميعا نتائجها تماما.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق