منار الرشواني

إعاقة الديمقراطية.. الإسلاميون وأميركا

تم نشره في الثلاثاء 21 حزيران / يونيو 2005. 02:00 صباحاً

  ببساطة، أعلن الإسلاميون صراحة رفضهم للحوار مع الولايات المتحدة. وبالنظر لا إلى تاريخ سياسات الولايات المتحدة تجاه المنطقة العربية والقضايا العربية والإسلامية وحسب، بل والممارسات الاميركية الحالية في كل من العراق وسجون غوانتنامو، إضافة إلى الممارسات الإسرائيلية المدعومة أميركيا، بشكل تام، في فلسطين، بالنظر إلى كل ذلك، لا يمكن القول إلا أن موقف الإسلاميين الرافض للحوار مع أميركا كان وطنيا بكل ما في الكلمة من معنى، ولم يكن ينقصه في الحقيقة إلا الحكمة، ولو القليل منها!... لماذا؟

في ثمانينات القرن الماضي، بدأت أولى إرهاصات التحول نحو الديمقراطية في العالم العربي. وباستثناء استخدامها لتجميل خطاب ما، أو استغلالها في الشهادات العلنية لبعض المسؤولين الأميركيين أمام الكونغرس، لتبرير عقوبة أو عدوان على بلد عربي، فمن الصحيح أن دعم الديمقراطية في العالم العربي لم تكن في تلك الفترة أولوية من أي نوع على الأجندة الأميركية. بل يمكن القول إن الولايات المتحدة عملت على إعاقة الديمقراطية في الوطن العربي، من خلال التواطؤ مع عدد من الأنظمة العربية، بهدف جعل الديمقراطية مقتصرة على إطار الشكل لا المضمون، بل وحتى الاجهاز عليها شكلا ومضمونا، كما في الحالة الجزائرية. لكن ذلك ليس مهما، فالمهم، وفيما يتعلق بالإسلاميين تحديدا، هو كيف أمكن  للولايات المتحدة وقبلها للعديد من الأنظمة العربية أن تنجح في إعاقة الديمقراطية في العالم العربي؟

باختصار شديد، كانت هذه الإعاقة ممكنة من خلال عملية "ذكية!" مارستها الأنظمة العربية، تم بواسطتها تحويل معادلة الصراع من صراع بين مجتمع مقموع في مواجهة أنظمة ونخب مستبدة إلى صراع داخل المجتمع ذاته، بين إسلاميين وغير إسلاميين، من خلال تصوير الإسلاميين كأعداء للديمقراطية، سيعمدون لامتطائها لمرة واحدة تمكنهم من الإنقلاب عليها للأبد، أو وفقاً للمقولة الغربية الشهيرة "رجل واحد.. صوت واحد.. ولكن لمرة واحدة"، ليلي ذلك إقامة حكومة (إسلامية) ثيوقراطية، تفوق في استبدادها، وكما تظهر النماذج المعاصرة، استبداد الأنظمة الموجودة.

بالتأكيد، لم يكن لهذه المعادلة أن تؤتي أكلها لولا أداء الإسلاميين، وفي كل مكان تقريبا، للدور المناط بهم بنجاح منقطع النظير، من خلال تصريحات نارية حول اسلمة المجتمع، والتأويلات المثيرة للشك في سبيل اسلمة الديمقراطية أيضا، من خلال العودة إلى استخدام مفاهيم غامضة في التطبيق على الاقل، كما الحال فيما يتعلق بمفهوم "الشورى" بديلا عن الديمقراطية... لتكون النتيجة، من ثم، إرهاب الأغلبية بمن فيها من متعاطفين مع الإسلاميين ذاتهم، قبل الاقليات على اختلاف انتماءاتها.

كان مثل هذا الموقف كافيا لإرهاب الخارج المؤيد للديمقراطية في العالم العربي عن الاستمرار في دعم المسيرة بهذا  الاتجاه، كما كان أيضا الذريعة الأمثل التي قدمناها للخارج الرافض لأي تحول ديمقراطي في العالم العربي، خشية تأثير ذلك على مصالحه في المنطقة، وهي الخشية التي تجد بعض أسسها أيضا في خطاب الإسلاميين الذي لا يثور الجدل بشأنه عربيا حول عدالة القضايا التي يتضمنها، لكنه وبنفس القدر خطاب يخلو من أية حكمة سياسية، ويبدو بالنظر إلى توازنات القوى أقرب إلى نشيد عاطفي حماسي لجيش "ساع إلى الهيجا بغير سلاح". 

تصحيح خطيئة الإسلاميين -التي دفعت ثمنها أغلبية المجتمعات العربية، بفئاتها كافة؛ إسلامية وغير إسلامية- بدا ممكنا عقب أحداث الحادي عشر من أيلول، وبشكل أكبر عندما أعلنت الولايات المتحدة قبولها تولي الإسلاميين السلطة في العالم العربي، طالما جاء ذلك عبر انتخابات حرة ونزيهة، بل وسعت أيضا إلى الحوار معهم. فمثل هذا الحوار كان السبيل الأمثل، إن لم يكن الاوحد، لجسر ما يعرف بـ"فجوة الإدراك" المتبادلة بين الطرفين، والمتمثلة في اعتقاد كل طرف أن نظيره يراه بصورته الحقيقية التي يعرِفُها هو ويقدمها للآخرين عن نفسه؛ أي أن مثل هذا الحوار، لو تحقق، لكان فرصة للإسلاميين لتقديم أنفسهم للغرب والعالم أجمع، مباشرة دون وكلاء أو وسطاء يناصبونهم الخصومة والعداء. وتبدو المفارقة هنا في وجود وعي من درجة ما لدى الإسلاميين بوجود هذه الفجوة في الإدراك، وبما يمكن التقاط مؤشراته في قبول الحوار مع شخصيات غربية، أميركية وغيرها، غير رسمية.

لكن هل صحيح أن وزيرا أو سفيرا غربيا سابقا أو حتى باحثا في مركز دراسات غربي، كل هؤلاء شخصيات غير رسمية؟ الواقع يؤكد خلاف ذلك تماما. إذن، هل يمكن تفسير رفض الإسلاميين "الشكلي" للحوار مع الإدارة الأميركية من باب الالتفاف على الرأي العام العربي، بعد أن غدو أسيري الخطاب الاتهامي الذي طالما أشهروه تجاه خصومهم، ومن ثم أسيري الخطاب على حساب السياسة والمصلحة الوطنية؟ صحيح ان الولايات المتحدة تحتل العراق وتمارس فيه ما تمارس، ناهيك عن إسرائيل، لكن منذ متى كنا لا نفاوض (بدل استخدام تعبير حوار) عدوا ومحتلا؟! فماذا لو طلبت إسرائيل التفاوض مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي؟ وماذا لو طلب الاميركيون انفسهم التفاوض مع المقاومة العراقية؟

ولو أردنا أن لا نكون اتهاميين بدورنا، فهل يمكن تفسير رفض الإسلاميين الحوار مع الإدارة الأميركية بافتقار هؤلاء لتصور حول القضايا الكبرى التي يتوجب عليهم مناقشتها (أو التفاوض بشأنها) مع الأميركيين؟ إذا صح ذلك، كما نعتقد، فإن مثل هذه الدعوة للحوار تبدو مناسبة للاستعداد بالمضمون السياسي-العملي لا الخطابي-العاطفي، من خلال وضع تصور للسياسات العامة كافة التي تهم الإنسان العربي والمسلم، وليس القضية الفلسطينية والعراق وحسب.

رفض الإسلاميين للحوار مع أميركا لا يعني إعاقة الديمقراطية في العديد من البلدان العربية فقط، بل يعني أيضا خسارة مضاعفة للإسلاميين ذاتهم. ففي تصويت أجراه موقع محطة الجزيرة الإلكتروني (الجزيرة نت) خلال الفترة 8-11 حزيران الحالي، حول سؤال محدد هو: "هل تؤيد حوارا مباشرا بين الحركات الإسلامية والدول الغربية؟" أيد 13291 شخصا، أو مانسبته 72.9% من المشاركين في التصويت هذا الحوار، في مقابل 4950 شخصا وبنسبة 27.1%، رفضوا الحوار. وبعبارة أخرى، فإن قرار الإسلاميين لا يعكس موقف وتوجه الرأي العام العربي، وبما قد يؤدي إلى خسارتهم شعبيا.

ومن ناحية أخرى، فرغم رفض الإسلاميين الحوار مع أميركا، إلا أن ذلك زاد من انكشافهم وضاعف من الضغوط المفروضة عليهم من قبل العديد من الانظمة الحاكمة في البلدان العربية. فهذه الانظمة، ومع خشيتها من البديل "الإسلامي" ربما تسعى، وقد بدأت بعض المؤشرات بالظهور فعلا، إلى التضييق على الإسلاميين، الذين اصبحوا خصوما فعليين لتلك الأنظمة، لا على الساحة الوطنية بل والدولية أيضا، لا سيما في حال قبولهم لدى الولايات المتحدة صاحبة النفوذ الاكبر في المنطقة، والمتحكمة شبه المطلقة بمسارات الحركة فيها.

التعليق