عون يستكمل مهمته

تم نشره في الجمعة 17 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

  لم يكن انتصار العماد ميشال عون في دائرتي المتن وكسروان-جبيل مفاجأة، ذلك ان الذي حصل يندرج في السياق الطبيعي لمسيرة الرجل، الذي مثل باستمرار اداة سورية في لبنان. أكمل الرجل هذه المرة مهمته بنجاح منقطع النظير، معتمدا الغوغاء، وضعف الثقافة السياسية لدى معظم المسيحيين في لبنان. فكان ان استغل هذا الضعف لاثارة الغرائز، ارضاء للذين استحضروه من باريس قبل ثلاثة اسابيع من الانتخابات، لاستخدامه في ضرب "انتفاضة الاستقلال" التي اخرجت الجيش السوري من لبنان، لكنها لم تقض للاسف على النظام الامني السوري-اللبناني.

في العام 1989، عندما رفض اتفاق الطائف واستولى على قصر بعبدا بالقوة، نجح ميشال عون -الرافض لأن يتعلم شيئا عن السياسة والموازين الداخلية والاقليمية والدولية- في منع تسلم الرئيس الشهيد رينيه معوض مقر رئاسة الجمهورية، وكانت تلك الخدمة الأهم التي يستطيع وقتذاك تقديمها لدمشق، التي ارادت منذ البداية ان يكون اتفاق الطائف وسيلة لوضع يدها على البلد كل البلد ليس الا. وكانت النتيجة اغتيال رينيه معوض في منطقة الصنائع في بيروت الغربية، في غياب الغطاء الامني اللبناني الذي كان يمكن ان يوفره له وجوده في قصر بعبدا.

وفي الوقت المناسب، وفي ظل ظروف دولية واقليمية لم يستطع التفكير العقيم لـ "الجنرال" استيعابها، دخل السوريون قصر بعبدا ووزارة الدفاع اللبنانية في خريف العام 1990. وكانت تلك المرة الاولى، منذ دخول الجيش السوري الاراضي اللبنانية في العام 1976، لا يعود فيها أي شبر من الأرض اللبنانية خارج السيطرة الامنية والعسكرية لسورية. كانت تلك نقطة تحول اساسية، يقف خلفها ذلك "الجنرال" المقدام الذي اسمه ميشال عون.

لابد من العودة باستمرار الى تلك المرحلة، وإلى حروب "الجنرال"، لعل ذلك يفيد في تذكير المسيحيين بما فعله الرجل آنذاك، وبكمية الاخطاء التي ارتكبها بحق كل اللبنانيين، والتي شملت دخوله في معارك مع ميليشيا "القوات اللبنانية"، حولت مناطق وقرى خطوط تماس. وبالطبع، لا يمكن في أي وقت تجاهل طريقة فراره من قصر بعبدا، والمجازر التي ارتكبت في حق عناصر من الجيش اللبناني نتيجة هذا الفرار غير المنظم، وعدم تركه أوامر بالاستسلام لافراد الجيش الذين كانوا بإمرته. فمن يتحمل مسؤولية الدماء التي سالت وقتذاك؟ وكيف يمكن لأي لبناني يتذكر ما حصل في تلك المرحلة تجاهل المسؤولية التي يتحملها "الجنرال"، الذي ادعى ان خروجه من بعبدا كان نتيجة خدعة تعرض لها؟ خدعة اوصلت القائد الى مكان آمن، فيما جنوده وضباطه يستشهدون.

ما يحصل في العام 2005 تتمة لما حصل في العامين 1989 و1990. فعندما صارت حاجة لميشال عون، جيء به الى لبنان بعد خمسة عشر عاما في المنفى... جيء به لحماية النظام الامني السوري-اللبناني، ونفذ مهمته على اكمل وجه. اثار غرائز المسيحيين مجددا، وساهم في تغطية جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وباسل فليحان ورفاقهما، خدمة لمنفذي الجريمة الذين ارادوا ان يثبتوا انهم مازالوا قادرين على القتل باغتيالهم الشهيد سمير قصير في 2 حزيران الجاري.

هذا بعض ما فعله ميشال عون منذ عودته من المنفى، علما بان ثمة بعدا آخر لعودته، يتمثل في وقوفه في وجه كل رموز الاعتدال المسيحي. فكان أن انقض على رجل اسمه نسيب لحود، لمجرد انه رجل دولة بالفعل. والعيب كل العيب هنا ليس عيب ميشال عون وحده، بل عيب الذين ساروا خلفه ايضا، فصوتوا لمؤيديه الذين لا يستحق بعضهم ان يكون حاجبا على باب نسيب لحود. نعم، كان نسيب لحود سيرفض مثل هذا النوع من الحجَّاب، ليس لانه لا يحترم الحجاب، بل لانه يحتقر الحجاب المخبرين.. لا أكثر ولا أقل.

وقد اظهر نسيب لحود بخسارته الانتخابات أمام مجموعة من التافهين، انه لايزال رجل المستقبل. انه على الاقل من أولئك الرجال الذين سعوا الى رفع مستوى السياسة في لبنان، والى عدم انتقال الحالة المرضية التي اسمها ميشال عون إلى المجتمع المسيحي في لبنان، الذي لديه مصلحة في الاعتدال، ولا شيء غير الاعتدال والابتعاد عن كل ما هو نظام امني او مرتبط بتركيبة امنية.

يبقى ان اخطر ما اسفرت عنه انتخابات الجبل في لبنان الاحد الماضي، ان سورية سجلت نقاطا مهمة، واظهرت انها قادرة على استخدام اداتها الجديدة ـ القديمة، التي اسمها ميشال عون أفضل استخدام. وكانت الخطوة الاولى في هذا الاتجاه توظيفه في خدمة النظام الأمني السوري-اللبناني ورموزه، هذا النظام الذي كان المنادون بضرورة اقتلاعه من جذوره على حق، منذ الساعة الاولى لاغتيال رفيق الحريري.

التعليق