حرب العراق العمياء

تم نشره في الخميس 16 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

   تعتبر كل حركات التمرد ومكافحة التمرد حروب استخبارات، قبل أي شيء آخر، للطرفين المعنيين. ولا شك في أن المتمردين يعانون دائما من نقص في عديد القوات والقوة العسكرية، لذا يكمن سبيلهم الوحيد للاستمرار، في التفوق في مجال المعلومات، التي يستقونها من قاعدتهم الشعبية العريضة. وبسبب هذا الدعم، أطوعيا كان أم قسريا، يستطيعون أن يضربوا ويهربوا للاختباء، وأن يقتلوا ويبقوا أحياء ليعاودوا القتل. وتذهب كل جهودهم أدراج الرياح، إذا ما تفوق أعداؤهم عليهم في مجال الاستخبارات. 

      وينسحب هذا على وضع العراق، حيث يواجه مكافحو التمرد، أميركيون وعراقيون على حد سواء، مهمتين أساسيتين: عليهم جمع المعلومات عن المتمردين، ومنع هؤلاء من الحصول على معلومات عن قواتهم في المقابل.

      وعلى رغم بعض النجاحات، تشير الأدلة إلى فشل الأميركيين والعراقيين في المهمتين. إذ يملك المتمردون معلومات ممتازة. وتشير التقارير إلى وجود مخبرين تابعين لهم داخل منظمات الأمن العراقية والإدارات. كما يعمل لحسابهم مراقبون كثيرون، مهمتهم متابعة التحركات اليومية لقوى الأمن، ونقل معلوماتهم إلى المتمردين المسلحين.

وتكشف اغتيالات المسؤولين الحكوميين العراقيين، بمن فيهم كبار المسؤولين الأمنيين، إضافة إلى الكمائن التي تنصب لقوى الأمن، عن جهاز استخباراتي متطور. وتستهدف السيارات المفخخة القوافل الأميركية بانتظام، مما يعني ان المتمردين يعرفون أي طرقات ستسلك القافلة، وتوقيت مرورها عليها.

     وقد برهنت معظم العمليات العسكرية الأميركية والمشتركة، على عدم فعالية باهظة الثمن، فيما تتمكن فرق المتمردين من الإفلات والهرب، بعد أن تزرع العبوات البدائية الصنع في مخابئها. كما يبدو أن عمليات تخريب أنابيب النفط ومحطات الكهرباء موجهة بدقة ضد الأماكن الحساسة؛ أي أن مرتكبيها لم يطلعوا على طريقة تركيب شبكة الطاقة وحسب، بل وعلى مواطن الضعف فيها أيضا.

      وأما فيما يتعلق بجمع المعلومات حول المتمردين، فليس الحال بأفضل. ومنذ الانتخابات العراقية، لم يكف المسؤولون الأميركيون عن إخبار الإعلام بمدى ازدياد تعاون العراقيين معهم في مجال تزويدهم بالمعلومات، وإن كان ذلك صحيحا، فإنه يبقى غير كاف.

في أواخر آذار، وقبيل فورة التفجيرات في قلب بغداد وما حولها، أنبأ وزير الدفاع دونالد رمسفيلد الصحافيين بتحسن "وحداته القياسية" و"مؤشراته"، و بالتالي فإن من الواضح أن حملة التفجيرات الأخيرة، والتي أوقعت ما يزيد على السبعمائة قتيل، كانت مفاجئة. 

      ويظهر أن معظم الانتحاريين من الأجانب، ولاسيما من السعوديين. وفيما من المفترض أن السعودية حليفة إقليمية للولايات المتحدة الأميركية، وشريكتها في الحرب على الإرهاب، إلا أنه لم يتوقف تدفق الانتحاريين عبر الحدود؛ مما يدل على فشل استخباراتي!

وأخيرا، علينا أن نتساءل: كيف توصلت مجموعة أبو مصعب الزرقاوي -المؤلفة من بعض الأجانب، وتسمى "القاعدة في بلاد ما بين النهرين" أحيانا- إلى ضمان استمرارية عملياتها في وسط العراق؟ لا بد أن السكان المحليين يوفرون لهؤلاء المقاتلين الأجانب الطعام والمأوى، ويزودونهم بالمعلومات عن تحركات القوات الأميركية والعراقية.

       ويعود فشل الحملة الاستخباراتية إلى تجذر التمرد في المجتمع العراقي، تجذرا لم يعترف به المسؤولون الأميركيون والعراقيون. وربما يعيش عشرات الآلاف من مناصري حزب البعث، ومنهم رجال أمن عملوا في ظل النظام السابق، بين الخمسة ملايين عربي سني، ويشعر هؤلاء بالمرارة لفقدانهم المركز والنفوذ. ويكفي غضبهم هذا، الذي تضاف إليه صلات الدم، لتوفير عدد كبير من مناصري المتمردين.

        كذلك، لعب الشعور الطائفي الذي استفاق من جديد دورا مزدوجا: فقد وجد بعض سنة العراق الراحة النفسية في الإيمان، فيما أدى هذا الملجأ أيضا إلى ازدياد الدعم لمتطرفين كالزرقاوي. ويعي المسؤولون الأمنيون، أميركيين كانوا أم عراقيين، أن عليهم حل هذه المشاكل الاستخباراتية. وتتوفر ثلاثة حلول نظرية لهذه المشاكل، غير أن تطبيقها يتعسر في العراق.

         أولا، يمكن دس المخبرين في صفوف المقاومة، لكي يتنصتوا على اتصالات الإرهابيين ويعلموا الحكومة بها. ولكن، للأسف، بسبب تقليد سكن الأقرباء سوية عند العائلات السنية، أو عملهم سوية في زمن صدام حسين، يميزون جيدا الأشخاص الذين يستطيعون الوثوق بهم، كما يراقبون بعضهم البعض عن كثب.

          ومن الأرجح أيضا، أنهم تعلموا تعطيل أجهزة التنصّت الإلكترونية أو التهرب منها. وغير ممكن الفوز بالحملة الاستخباراتية من خلال مجموعة من الانتصارات الصغيرة.

ثانيا، يمكن إغراق معاقل المتمردين بقوات الشرطة والجنود، لمراقبة كل تحركاتهم، وحماية من يدعم الحكومة من المواطنين. لكن يتطلب هذا الحل أعدادا كبيرة من القوات لم يوفرها الأميركيون يوما، زيادة عن أنه في غياب التدريب الكافي والمراقبة الدائمة للقوات، تنقلب هذه الخطة على صاحبها، وتؤدي إلى كراهية السكان المحليين للوجود الأجنبي الأخرق.   

ويعقد البعض الأمل على قدرة الشرطة والجنود العراقيين على تأدية هذه المهمة، وهذا أمر يصعب تحقيقه.

           وحتى في حال أرسل الـ160 ألف فرد في هذه القوات إلى مناطق التمرد -وهو أمر مستحيل تحقيقه، لأن معظم الأفراد ضباط شرطة وأعضاء ميليشيات محليون من مناطق أخرى من العراق- فلن يكفي عددهم. وإن أضفنا أن قليلين هم المجندون من العرب السنة، نجد أن الأفراد الشيعة والأكراد من رجال الأمن سيثيرون الشعور ذاته الذي يثيره الأميركيون في نفوس سكان المناطق المتوترة.

           وثالثا، تظهر إمكانية الفوز بالحملة الاستخباراتية ككل، بمساعدة السياسة بشكل أساسي. وغالبا ما يذكر المسؤولون الأميركيون الشيعة بضرورة جذب معظم السنة لممارسة السياسة، بدل الدعم الصامت أو الفاعل للعنف.

          وأقر بأن الشيعة تنازلوا للسنة عن بعض الأمور، كالمناصب الوزارية العليا، بيد أن الحسابات الديموقراطية الباردة تمنع أي تكامل إضافي. فأصوات الشيعة أربعة أضعاف أصوات السنة، الذين تترسخ قناعتهم يوميا بولادة تنافر من جراء هذه الفروقات، من خلال تعاملاتهم اليومية مع الحكومة والقوى العسكرية.

            من يرغب بـ"ضمان استمرارية لوجوده" في العراق بحاجة إلى استراتيجية معقولة، تضمن النجاح في حملة الاستخبارات. إذ إن الطرق التقليدية إما فشلت أو في طريقها للفشل. وطالما لم تحرم القوات الأميركية والعراقية الإرهابيين من دعمهم المحلي، والمعلومات التي يوفرها لهم، فلن يصل صراعها الطويل إلى نهايته.

 

باري ر. بوزن أستاذ علوم سياسية في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا.

خاص بالغد

نيويورك تايمز

التعليق