د.باسم الطويسي

بين الأمن والفوضى

تم نشره في الجمعة 10 حزيران / يونيو 2005. 02:00 صباحاً

     انتهى أمس المؤتمر العاشر لحزب البعث العربي في سورية، والذي انعقد تحت شعار "رؤية متجددة وفكر يتسع للجميع". وبغض النظر عن مدى ملاءمة هذا الشعار، وبعيداً عن تقويم نتائج وتوصيات المؤتمر، التي تبدو أقل من سقف التوقعات التي دارت خلال الأيام والأسابيع القليلة الماضية، يبدو ان الأهم من المخرجات والتوصيات والمؤتمر بحد ذاته، هي الإجراءات والبرامج التنفيذية، التي ستختبر خلال الفتـرة القادمة قدرة النظام السوري على التكيف الإيجابي مع المتغيرات الراهنة، والتي أخذت به نحو عزلة دولية وإقليمية، وألحقت بالدولة السورية خسائر متوالية أنقصت من وزنها السياسي والاستراتيجي في المنطقة.

وعلى الرغم من الانشغال الدولي والخارجي بانتظار نتائج المؤتمر وتوصياته، وهو الانشغال الذي لم ينعكس بشكل واضح في الشارع السوري، فإن القراءة الأخرى تشير إلى ان الأزمة السورية الراهنة تجد تعبيرها الصريح في أزمة الحزب الحاكم، الذي ما زال عاجزا عن إنتاج مسوغاته وادواته الذاتية في التغيير والإصلاح، حينما تحول الحزب من مؤسسة سياسية الى مؤسسة أمنية ضخمة. ومن هنا تأتي أهميـة قراءة الإستراتيجية الأميركية الجديدة التي أخذت تطبقها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، من العراق إلى لبنان وصولاً إلى سورية.

      ان استراتيجية الفوضى البناءة تجد البيئة الخصبة لازدهارها في الأنظمة الأمنية المغلقـة، ووسط إحباط الناس وتفشي مشاعر القلق والغربة عن الوطن، والرغبـة في التغيير، وفي أجواء الضبط والرقابة الصارمة، والحرص الذي يصل حد الأيديولوجيا المقدسة، التي لا هم لها أكثر من فرض طقوس الأمن المستتب. في هذه الاجواء تجد الفوضى العارمة طريقها إلى الشوارع والمدن التي كانت آمنة بالأمس القريب.

       الحقيقـة المرة والخبرة القاسيـة؛ ان مصممي استراتيجيـة "الفوضى البناءة" أو"التفكيك النظيف"، كمدخل لتغير الأوضاع في الشرق الأوسط، اتخذوا من نموذج الدولة الأمنية الأساس لهذا النمط من أنماط التغيير، وذلك بأن يكون الشارع والقوى الشعبية المقموعة والخانعة هي أداة التغيير، بالفوضى قبل أي شيء آخر. وهنا يجب ان يعترف المثقفون العرب وقادة الرأي ان ثمة حلقة ضائعة ومفقودة في أحجية الإصلاح من الداخل، تتعلق بالمسافة بين الأنظمة والشعوب في ظل هيمنة الذهنية الأمنية التقليدية، وهي الفجوة التي تريد الولايات المتحدة اليوم ان تملأها بحالة اللاإستقرار والفوضى.

      قصة الفوضى العارمة على الطريقة الأميركية تملك جاذبية عالية في بيئة الأيديولوجية الأمنية التقليدية، وتعود هذه القصة في جذورها إلى المقولات الفكرية حول فجوة اللاإستقرار، التي تناولها صمويل هنتنجتون في معالجته للتنمية السياسية. فالفجوة بين النظام السياسي والمجتمع تولد إحباطاً ونقمة في أوساط الناس، تبقى كامنة تنتظر لحظة التعبير عنها، وأكثر اللحظات ملاءمة للكشف عنها هو محاولة التعبير عن التنمية السياسية أو الإصلاح دون جدية حقيقية، مما يعمل على زعزعة الاستقرار السياسي. فالإحباط الاجتماعي يولد المزيد من اللاإستقرار إذا ما انعدمت الحريات والحقوق، وافتقدت مؤسسات النظام القدرة والقابلية على التكيف الإيجابي، لأن الإحباط ومشاعر الاحتقان التي تزيد هذه الفجوة يتمخض عنها مطالب ليست سهلة للوهلة الأولى، وأحياناً غير متوقعة، تفرض على مؤسسات النظام التكيف من خلال توسيع المشاركة السياسية واستيعاب هذه المطالب، أما إذا كانت هذه المؤسسات محكومة بالنظرة الاحادية، فإنه سيكون من الصعب الاستجابة لهذه المطالب إلا بالمزيد من الفوضى، التي ستعمل في نهاية الأمر على استبدال قواعد اللعبة واللاعبين.

      في الحالة السورية تزدهر استراتيجية التعامل اليومي مع تحريك اللاإستقرار، وتترقب الإستراتيجية الأميركية تلمس تمردات مفاجئة بعد أحداث لبنان وانحسار النظام السوري نحو الداخل. وتنسحب هذه الإستراتيجية إلى الشارع المصري، الذي أهمل طوال عقود ماضية، اتسمت بالدعم المؤسسي الرسمي المنظم لسياسات الولايات المتحدة، مع وجود حركة دائبة من النشطاء العلمانيين والإسلاميين تطالب بتغييرات بنيوية في النظام. والأمر يتكرر في البحرين، وتمتد نذر الفوضى إلى مناطق أخرى لم تكن في الحسبان.

      أجواء مناقشات قصر الأمويين في دمشق خلال الأيام القليلة الماضية كانت تحمل قدراً من المراجعـة النقديـة للذات، واتضح انها اتخذت مسافة ليست قليلة من الجدل الفكري الذي وسم الخطاب البعثي طوال عقود من التنظير والتجربة. كما ابتعدت عن مسلماته التاريخية، وفي مقدمتها أولوية الحرية الاقتصادية، أي العدالة الاجتماعية، على الحرية السياسية. وفي هذه الأجواء، لابد من القول بأن سورية تحظى برصيد لابأس به في أوساط المثقفين العرب وقادة الرأي والجماهير العربية، وثمة خوف كبير على سورية ومستقبلها، وثمـة رجاء بأن تصغي القيادة السورية لصوت التاريخ وحده، بالاستجابة للتغيير، وادخال البلاد والعباد في حالة انفراج سياسي وامنـي ونفسي، وتفويت الفرصة على مخططات الفوضى العارمة القادمة.      

التعليق