منار الرشواني

هل تخسر أميركا حيث يفترض أن تكسب؟

تم نشره في الخميس 9 حزيران / يونيو 2005. 02:00 صباحاً

     دعونا نسلم أن ما حصل في سجن أبو غريب، وقبله في قاعدة غوانتنامو، من امتهان لكرامة الإنسان، العربي والمسلم، وحياته على أيدي "بعض" الجنود الأميركيين، وكذلك تدنيس القرآن الكريم في غوانتنامو لخمس عشرة مرة، كل ذلك كان مجرد تجاوزات فردية لا تعبر عن سياسة أميركية رسمية عامة.

ولنتفق مع وزير الدفاع الأميركي، دونالد رامسفيلد، بأن جعل بغداد، وتراثها الإنساني، مباحة للسلب والنهب عقب الغزو الأميركي هو نوع من "الحرية". ولنتغاضى عن سياسة "التعذيب بالوكالة"، كما تسميها "جين ماير" في مقالتها المطولة والمؤثرة في مجلة "نيويركر" (8 شباط 2005)، وهي السياسة التي قامت، ولربما مازالت تقوم بها الولايات المتحدة .

     بعيدا عن كل ذلك، وقبله الانحياز المطلق لإسرائيل على حساب كل حقوقنا، تبدو المفارقة في أن الولايات المتحدة تخسر الجولة الأهم في معركتها لكسب العقول والقلوب في العالمين العربي والإسلامي، حيث كان يفترض أن تكسب، وتحديدا بسبب ما يمكن اعتبار أنه أكثر ما قدمته الولايات المتحدة "نبلا" واقعية في حربها على ما تسميه "الإرهاب"، وذلك من خلال رفع شعار "الديمقراطية هي الحل"!

     فبعد "تحرير!" العراق وكذلك أفغانستان، وجعل الديمقراطية في هذين البلدين هي الدافع للحرب وغايتها الأسمى التي يكون بها النصر، بدا أن الأنظمة العربية، سواء أكانوا من حلفاء واشنطن أم ممن يناصبونها الخصومة والعداء في العلن على الأقل، قد أخذوا الدعوات الأميركية على محمل الجد المشوب بالخوف والترقب، لكن ما هو الأهم أن الشعوب العربية بدأت بالحراك السياسي، وبتنا نرى انتخابات على أكثر من مستوى، رئاسية وبرلمانية وبلدية، في غير بلد عربي.

    وبرغم كل حديثنا المتشنج عن رفض الإصلاح من الخارج، ورفع شعار، وفقط شعار، الإصلاح من الداخل، ورفضنا الإقرار كذلك بأن الدعوات الأميركية للإصلاح في العالم العربي، هي التي سمحت لنا باستخدام هذا مصطلح "الإصلاح"، فكيف بالسعي إلى تحقيقه! برغم ذلك يبدو أن الشعوب العربية تقر سرا أو في عقلها الباطن بما هو أخطر، وبما يشكل تهديدا حقيقيا للولايات المتحدة.

     فحتى لو استثنينا الانتخابات العراقية، فبرضوخ نظام حاكم ما لـ"الطلب" الأميركي بتعديل الدستور بعد أيام فقط من رفض ذات النظام مطلبا وطنيا بذلك، ومنح المرأة حق الترشح والانتخاب في بلد ثان بعد ما اشيع عن الدور الأميركي في ذلك، والإصرار الأميركي على عقد الانتخابات النيابية في موعدها ودون القبول بأي تأجيل في بلد ثالث... هكذا بات من المألوف سماع عبارات من قبيل: "إن على الولايات المتحدة أن تضغط أو... لتعديل دستور هنا أو قانون هناك"، حتى من قبل أشد الرافضين للإصلاح "من الخارج". بل إن هذه النظرة إلى الدور الاميركي على صعيد الإصلاح في العالم العربي تبدو نظرة دولية لا عربية وحسب، ويكفي للتدليل على ذلك مناشدة منظمة "هيومن راتس ووتش" الرئيس الأميركي بوش، التدخل لدى أحد الأنظمة العربية لإطلاق سراح إصلاحيين معتقلين لديه.

وفي المقابل نجد صمتا أو ترحيبا أميركيا بتعديلات دستورية فاقدة للمعنى والمضمون في بلد ما، وذات الشيء بالنسبة لتأجيل لانتخابات البرلمانية الفلسطينية، التي كانت فرصة لمنح حركة حماس غطاء سياسيا يقيها من الهجمة والتصفيات الإسرائيلية...

     كل هذا يجعل من الولايات المتحدة في نظر الشعوب العربية مسؤولة عن تحقيق الإصلاح في الوطن العربي وحدوده، أو بعبارة أخرى إعاقته. وإذا كنا نطالب أميركا في "لاوعينا" بمساعدتنا، فإن تحميلها اللوم عن أي إخفاق ستكون عملية قابلة للبلورة والإنضاج من قبل الكثيرين. ومن ثم، وإذا لم تبادر الإدارة الأميركية إلى السير بخطى ثابتة وواضحة نحو الإصلاح في العالم العربي، فإنها ستكون، وبسبب دعواتها ذاتها للإصلاح في العالم العربي قد أضافت سببا آخر لعداء الشعوب العربية والإسلامية لها، يضاف إلى قائمة طويلة من الأسباب الأخرى التي يعرفها الجميع حق المعرفة. وستغدو الولايات المتحدة، القوة الأعظم في تاريخ البشرية، كمن تخوض حروبا أهلية بالوكالة عن عدد من الانظمة العربية، نتيجة عمليات يقوم بها ساعون للديمقراطية والاستقلال، وليس إسلاميون أصوليون فقط.

   لكن دعونا لا نلم أميركا دائما وتماما، فالمشروع الحقيقي، وأميركا تعلم ذلك، يجب أن يكون نابعا من داخلنا، لكن علينا أيضا أن نستعيد بدهية أنه ليس هناك أدنى ضير في استثمار بيئة إقليمية ودولية مؤاتية، تقع ضمنها الولايات المتحدة.

التعليق