منار الرشواني

سورية.. صراع على السلطة؟

تم نشره في السبت 4 حزيران / يونيو 2005. 02:00 صباحاً

  مباشرة، وعقب دقائق معدودة على ارتكاب جريمة اغتيال الكاتب سمير قصير يوم الخميس أول من أمس، كانت أغلب، إن لم تكن جميع اصابع الاتهام توجه صوب سورية، التي عرف الكاتب الراحل بانتقاده الجريء والصريح لها في آن، ولما كان يسميه بـ"النظام الأمني والبوليسي" الذي أقامته في لبنان. هكذا، بدا المشهد شبيها، إلى حد التطابق، مع ذلك الذي تلا جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، والتي جاءت بعد فترة قصيرة جداً من خروجه على عصا طاعة النظام السوري، و"اتهامه" من قبل أعضاء هذا الأخير بأنه كان المسؤول المباشر عن صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559.

صحيح أن النظام السوري يبدو، وللوهلة الأولى، المستفيد الأكبر من جريمتي اغتيال الحريري وقصير، ولو من باب الانتقام والثأر منهما على أقل تقدير، كما يذهب إلى ذلك البعض، إلا أنه برغم ذلك، وإزاء الضغوط الدولية، ولا سيما الأميركية، التي تعاني منها سورية، خصوصا بعد اغتيال الرئيس الحريري، ألا يبدو وضوح عداء النظام السوري للضحيتين في خضم كل هذه التطورات دليل براءة أكثر مما هو دليل إدانة (اللهم إلا إذا كان النظام السوري قد فقد آخر ذرة من ذرات الحكمة!)، وأن ثمة من يحاول تأزيم الموقف السوري، ولربما الوصول به إلى حد التفجر في مواجهة القوى الدولية، ليبدو هذا النظام في الواقع الخاسر الأكبر دون أي جدل؟

في هذا الجو العاصف والمظلم والضبابي في آن معا، تبدو أبواب كل التفسيرات والتأويلات مشرعة على مصاريعها، لكننا نزعم أنه في الحالة اللبنانية – السورية، يبدو التفسير الأمثل هو الانطلاق من فرضية تقوم على الجمع بين الموقفين على طرفي النقيض، أي أن النظام السوري متورط في اغتيال الحريري وسمير قصير، وأن هذا النظام، وفي ذات الوقت، غير متورط في ذلك على الإطلاق! كيف يبدو ذلك منطقيا وممكنا؟!

الفرضية الرئيسة السابقة تقتضي فرضية أخرى (فرعية)، وهي أن "النظام السوري" لم يعد من الممكن أو الصحيح النظر إليه باعتباره نظاما واحدا ومتحدا وفق رؤية متفق عليها، ولو بالإخضاع. بل يمكن القول إن داخل هذا النظام أنظمة فرعية وأجنحة، ليست متنافسة وحسب وإنما متصارعة. ويبدو على الأقل أن ثمة جناحين هما: جناح الرئيس بشار الاسد، وجناح آخر لا ندري من يقف خلفه أو على رأسه.  وإلى الآن فإن جناح الرئيس الأسد يخسر المعركة تلو الأخرى، ويزيد -منذ الإصرار على التمديد للرئيس إميل لحود إلى عدم القدرة على منع اغتيال الرئيس الحريري ومن ثم سمير قصير (بفرض صحة هذا الأساس)- من عمق الهوة التي يدفعه إليها الجناح الآخر في النظام ذاته! 

بعيدا عن أي حديث عن العالم السري القائم على المؤمرات ونظرياتها، لماذا تبدو مثل هذه الفرضية ممكنة؟

قبل يوم واحد فقط من اغتيال سمير قصير، وتحديدا في 1 حزيران، ظهرت جثة أخرى، هي جثة الشيخ معشوق الخزنوي، الذي كان قد اختطف (من قبل مجهولين!) في 10 أيار الماضي. والملفت للنظر أن الشيخ الخزنوي، الذي كان نائبا لرئيس مركز الدراسات الإسلامية في القامشلي، رجل لا يمكن أن يطلق عليه لقب "معارض للنظام السوري"، لكن قتله، وهو الذي يجمع بين صفتي إسلامي وكردي في آن، قد يكون شرارة لاستثارة فئتين رئيستين في المجتمع السوري، لا سيما مع إصرار الأكراد السوريين (الحزب الديمقراطي الكردي، أكبر حزب كردي في سورية، وحزب يكيتي الكردي المتشدد)، على أن الشيخ الخزنوي قضى تحت التعذيب أو بعده، متهمين الأجهزة الأمنية السورية بذلك! وليست بعيدة أحداث القامشلي، ذات الغالبية الكردية، في آذار من العام الماضي، التي راح ضحيتها مئات القتلى والجرحى ومثلهم من المعتقلين.

هكذا، ومع زيادة الضغوط الخارجية على النظام السوري، وتحديدا الرئيس بشار الأسد، وزيادة عزلته واستهدافه، باغتيال سمير قصير، أحد اشد مناوئيها في لبنان، بعد اغتيال الرئيس الحريري، وتوجيه أصابع الاتهام إلى سورية، تنفيذا أو تواطؤا، أو في أحسن الظروف وفق القاعدة القانونية "مسؤولية المتبوع عن عمل تابعه" الذي يأتمر بأمره، وكذلك مع السعي إلى تفجير الوضع الهش والمحتقن في الداخل السوري، في ظل إصلاح موعود وإنما مجمد أو معطل، مضافا إلى ذلك همس عالي الصوت برغبة أميركية في تغيير النظام السوري، بعد تصريح الرئيس بوش بمقاطعته... هكذا تبدو الصورة أوضح.

فإذا صحت فرضية الانقسام والصراع داخل النظام السوري، التي انطلقنا منها، فيبدو أن من يحاول إيصال الرئيس بشار الاسد إلى مرحلة المواجهة مع الخارج والداخل، قد وصل إلى قناعة، ولأسباب كثيرة سواء أكانت داخلية أم خارجية أم متعلقة بمطامح ومصالح شخصية، بأن الرئيس الاسد لم يعد قادرا على الاستمرار في الحكم. وسيكون علينا، ودائما إذا صحت فرضيتنا، انتظار التفاعلات الدولية والإقليمية والمحلية القادمة المتعلقة بسورية، وانتظار الشخصية التي ستقدم نفسها أو تقدم لنا باعتبارها القيادة الجديدة لسورية!

التعليق