الجديد في الملف السوري

تم نشره في الخميس 2 حزيران / يونيو 2005. 02:00 صباحاً

 بعض ما تحويه الحياة السياسية طريف، بل يبعث كثيرا من المشاعر الغريبة. فمؤخرا، اعلن د. رفعت الاسد، عم الرئيس بشار، نيته العودة الى دمشق، وربما في خياله نموذج عودة المعارضة العراقية، التي تحولت الآن الى سلطة، ونموذج عودة ميشيل عون. لكن الطريف ان المروجين لعودته تحدثوا عن اهداف وطنية لهذه العودة، ولانقاذ سورية واشاعة الحرية والديمقراطية، وكأن هؤلاء افترضوا ان ذاكرة الناس في سورية وخارجها نسيت حكاية سرايا الدفاع، ميليشيا د. رفعت يوم كان صاحب نفوذ.

 لكن حكاية ما يجري في سوريا يحتاج الى مزيد من الدراسة. فعلى ابواب المؤتمر الهام القادم لحزب البعث الحاكم، يبدو ان الساحة تشهد صراعا خفيا وشديدا بين قوى الانفتاح، ولو كان نسبيا، وبين الحرس القديم برجالاته واجهزته ومصالحه. واذا كان خروج القوات السورية واجهزتها الامنية من لبنان هزيمة سياسية لمعسكرٍ حكم عقودا طويلة، فإن هذا المعسكر لم يسلم بالهزيمة، ويعمل باصرار على اثبات حضوره، حتى عبر تحدي بعض القرارات التي يريدها تيار الانفتاح رسائل للعالم. ولهذا، شهدت سورية مؤخرا سلسلة واسعة من الاعتقالات، شملت حتى رئيس المنظمة العربية لحقوق الانسان. كما ان ما يسمى بالعفو عن المهجرين من السوريين في الخارج، فرغته الاجهزة من مضمونه وشكلياته، فقامت باعتقال كل من عاد الى وطنه، وثبت ان من صدق قصة العفو كان مخطئا في قراءة الساحة السورية. وكانت هذه الاعتقالات رسالة من الحرس القديم واجهزته، بأنهم ما زالوا يمسكون مقاليد الامور.

والصراع الحقيقي ليس فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، فالجميع اتفقوا على الانصياع للشروط الاميركية، والخروج من لبنان حسب جدول واضح، لكن معيار النصر هو في ادارة الساحة الداخلية، والهيمنة على مقاليد السلطة في الداخل، او بمعنى اكثر وضوحا، فإن ما يجري وما سيفرزه مؤتمر حزب البعث القادم، هو حكم على مدى قدرة معسكر الرئيس بشار على فرض نهجه في ادارة الدولة، بخاصة ان مسألة فتح ابواب الحريات لم تعد خيار الانظمة في الادارة، بل احد معايير الاعتراف بها من قبل الغرب وواشنطن. واذا ما فشل هذا المؤتمر المرتقب في حسم الصراع، او اكتفى بالتوافق، فإن هذا يعني هزيمة حقيقية للساعين للنجاة عبر الذهاب في سياسة الانفتاح، او على الاقل شكلياتها.

ما نقوله لا يعني ان تيار الرئيس مستغرق بالديمقراطية، وحريص على الذهاب بها بعيدا، والعفو عن المهجرين، واعادة الحياة للساحة السياسية، لكنه يعني انه تيار يريد ادارة الدولة عبر ما يمكن تفهمه وقبوله من الغرب، ومحاولة مجاراة التطورات الدولية والشروط العالمية، والخروج من استراتيجية اضاعة الوقت بانتظار تجاوز المراحل الصعبة التي ادار بها النظام كثيرا من مراحل عاشتها المنطقة في العقود الاخيرة.

معسكر الرئيس بشار يدرك انه لا يمكن لسورية ان تبقى في وضعها السياسي الاحتكاري لحزب واحد، حتى لو سمي بالجبهة، او استمرار حالة القمع السياسي في جوار عراقي محتل.

بقي ان نقول، ان عمليات الصراع السياسي لا تحسم من جولة او جولتين، وحتى يثبت اهل الانفتاح صدق ادعاءاتهم، فعليهم تقديم الكثير من الممارسات المناقضة لعقود من الحقوق السياسية الضائعة.

التعليق