تهميش الاعتدال

تم نشره في الثلاثاء 31 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

بعد اكثر من عامين على اسقاطها نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين, مازالت الولايات المتحدة تتخبط في مستنقع الامن والسياسة في العراق.

وتزداد واشنطن غرقاً في هذا المستنقع. فلا هي طورت سياسات طمأنت العراقيين الى مستقبلهم, ولا هي اتبعت خطوات ساهمت في تحسين واقعهم. فخسرت الولايات المتحدة عقول كثير من العراقيين وقلوبهم.

آخر هذه الممارسات كانت اعتقال رئيس الحزب الاسلامي العراقي محسن عبدالحميد امس. ولا تستطيع القوات الاميركية في العراق تبرير هذا التصرف ضد شخصية سياسية تمثل الاعتدال في معسكر العرب السنة. ففي الوقت الذي تحتاج فيه الولايات المتحدة , والحكومة العراقية قبلها, الى بناء جسور التواصل مع العرب السنة, توجه القوات الاميركية هذه الاهانة الى رئيس الحزب السني الاكبر في العراق.

ولمثل هذه الحماقة ثمن سياسي عالٍ سينعكس سلباً على العملية السياسية التي يعوَّل عليها اخراج العراق من غياهب الفوضى التي عمّته بعد انهيار الدولة. فالحزب الاسلامي العراقي هو اكبر الاحزاب العربية السنية. وعلى عكس هيئة علماء المسلمين التي قاطعت العملية السياسية, شارك الحزب في هذه العملية منذ البداية, ولم يقاطع الانتخابات إلاّ تحت ضغوط أمنية وسياسية لم يستطع مقاومتها.

بدلاً من تشجيع ما يمثله الحزب الاسلامي من اعتدال وتفهم لضرورة اعتماد السياسة سبيلاً لحل الخلافات في العراق, تقوّي القوات الاميركية معسكر التطرف من خلال تصرفات رعناء تكرس القناعة ان لا حصانة لمن يعارض السياسة الاميركية حتى لو كانت تلك المعارضة حضارية وسياسية وسلمية.

وتحرج هكذا تصرفات الحكومة العراقية التي اعتمدت التواصل مع كل من اختار العملية السياسية سبيلا للحوار والاختلاف طريقا الى توحيد العراقيين حول هدف اعادة اعمار وطنهم.

اعتذار الولايات المتحدة غير كاف. فالمطلوب, من اجل مصلحة العراق, هو ان تقوم الولايات المتحدة باعادة تقويم كل اجراءاتها, اضافة الى تثقيف جنودها أن احترام العراقيين هو الخطوة الاولى تجاه كسب قلوبهم.

اذكر ان جندياً اميركياً منع وزيراً عراقياً من دخول فندق الرشيد الذي جاءه تلبية لدعوة غداء من زميل كنت واياه نعمل في بعثة الامم المتحدة في بغداد. ورفض الجندي العدول عن رأيه امام محاولات الاقناع التي استندت الى ان الضيف وزير عراقي يحاول الدخول الى فندق في عاصمته المستقلة ذات السيادة.

كنت وبعض الزملاء في العراق ننظر الى الحالة البائسة التي آل اليها فندق الرشيد تحت ادارة القوات الاميركية, ونتحسر كيف يمكن لمن لا يستطيع اعادة بناء فندق ان يساهم في اعادة بناء دولة.

والسؤال الاهم هو كيف يمكن لمن يجهل عواقب اعتقال محسن عبدالحميد ان يعرف كيف يتعامل مع تحدي اعادة بناء عراق دمرت الحرب ما استعصى على استبداد صدام حسين.

التعليق