ياسر أبو هلالة

وهم الديموقراطية في لبنان ...والدرس الأردني

تم نشره في الثلاثاء 31 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

    الحالمون بالدولة الحديثة عليهم التدقيق بنتائج الانتخابات اللبنانية، فالمجتمعات القديمة تمكنت من إجهاض مشروع الدولة في مطالع القرن الراهن، كما نجحت في ذلك مطالع القرن المنصرم. وفي الأفق يبدو العقم والولادات المشوهة وغير المكتملة، خيارات واقعية.

فـ"شيوخ الطوائف" هم الناخبون الحقيقيون، حتى لو كانوا من ساكني اللحود، وفي دولة كان يظن أنها الأكثر تأثرا بالدولة الحديثة التي عرفها الغرب، حضر كل ما لا يمت بصلة لها، الدين والطائفة والسلالة! ولا يكاد المتابع يعثر على استثناء حديث من حيث المضمون، أما الشكل فلا جدال في حداثته.

     الانتخابات توجت وراثة "الشيخ" سعد الحريري لوالده الشيخ رفيق، والذي كان في لحده الرقم الصعب في الانتخابات. وغدا رجل الأعمال الشاب، الذي من المفترض أن يمثل جيلا معولما لا علاقة له بالطوائف ولا بالجغرافيا، أحد زعماء طائفة السنة، والمقدم فيهم على سلالات من آل سلام وكرامي. 

    ومقابل "الشيخ" سعد كان شيخ آخر يكرس زعامته للطائفة الشيعية، ألا وهو حسن نصرالله. وكما استفاد الحريري من إرث والده في إعمار بيروت، استفاد نصرالله من إنجاز المقاومة في التحرير.

    أما الطائفة الدرزية، فلا منازع لشيخيها وليد بيك جنبلاط، إلا نجله تيمور، بعد طول العمر، وهو ما يعبر عن خلود السلالة في الدولة الحديثة! وهو ما جعل خيار فوزه بالتزكية إحدى العلامات الفارقة للانتخابات اللبنانية، سيما أن مفردة "التزكية" لا مثيل لها في لغات العالم، ولا شبيه لها إلا انتخابات صدام حسين، التي فاز فيها بنسبة مئة في المئة، فمن له اعتراض على مرشح، فإنه يترشح ضده على الأقل، وهو ما لم يحصل في عدد من دوائر لبنان.

   وقبل الانتخابات وبعدها، يظل "شيخ" الموارنة بلا منازع، البطرك صفير، ودونه شيوخ وشيخات.. سليلا آل الجميل، بيير وصولانج أرملة بشير، والعماد ميشال عون، وسترادا زوجة سمير جعجع..

   هنا يبرز وهم ديموقراطي آخر وهو الإعلام. فالمحطات التلفزيونية والصحف واجهات طائفية لا أكثر. فتلفزيون المستقبل، يمثل الطائفة السنية بزعامة آل الحريري، وتلفزيون المنار يمثل الطائفة الشيعية بزعامة حزب الله، وتلفزيون إل بي سي يمثل الموارنة، وخصوصا خط القوات اللبنانية.. أما الصحف، فالانقسام الأساسي تمثله النهار، صحيفة المسيحيين، والسفير، صحيفة المسلمين.

    ذلك كله لا يعني أن الأوضاع قبل الانسحاب السوري كانت أفضل، بل على العكس، كان التدخل السوري يقوي طائفة على أخرى، ويرجح زعامة على غيرها داخل كل طائفة، وهو ما أسهم في تعميق الطائفية وتهميش الدولة، وهو ما جعل الانسحاب يتيح حرية أكثر في علاقة الطوائف ببعضها، وعلاقات الطوائف الداخلية.

    ومع كل ما قيل في الجيش السوري، إلا أن ممارسات الحرب الأهلية لم تكن أقل فظاعة. وقد يكون خطأ اتفاق الطائف الأساسي أنه غسل مجرمين شاركوا في مجازر وحشية، وأدخلهم بالانتخابات إلى مجلس النواب والحكومة، ومن أبرزهم إيلي حبيقة، بطل مجازر صبرا وشاتيلا. انتخابات لبنان أكدت أن الديموقراطية ليست صناديق انتخابات فقط، بل هي أيضا ثقافة مجتمعية، ومؤسسات، وتشريعات وأنظمة، وهو ما سبق أن أكدته انتخابات العراق من قبل.

    بين انتخابات تلد حربا أهلية وانتخابات تولد من رحمها، تبدو الديموقراطية بعيدة جدا عن منطقة لا يخفي تناقضاتها إلا عسكر، سواء أكانوا عربا أم أميركيين!

التعليق