الاستقرار الذي حافظ عليه الملك فهد قيمة حقيقية يبني عليها

تم نشره في الثلاثاء 31 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

     عندما تقدم عدة مئات من المقيمين الاجانب الحاملين لشهادات عليا، والذين يتمتعون بوظائف جيدة، بطلبات اكتساب الجنسية السعودية، استفادة من قانون الجنسية الجديد المرن، الاسبوع الماضي، لم يكن دافعهم إلى ذلك اقتناص مزايا مادية او منح تأتيهم تلقائيا بعد ان يصبحوا سعوديين. فسنوات الطفرة، كما قال سمو ولي العهد قبل اعوام، انتهت، ولم يبق سوى العمل. انهم فقط يبحثون عن اهم شيء يحتاجه الانسان؛ ألا وهو "الاستقرار".

      ان الشعور بالاطمئنان والاستقرار هو الارضية الاساسية التي يتطلع إليها الانسان الباحث عن حياة افضل، وتكاد تكون بمثابة "البنية التحتية" التي يحتاجها الانسان الطموح، ثم يبني عليها ما يريد من نجاح عائلي او وظيفي، ولا بأس بعد ذلك من عمل ثروة صغيرة او كبيرة، يتمتع بها الانسان في حياته، ويتركها فيما بعده لأبنائه. وعندما تنشأ في بيئة مستقرة، فإنك تعتاد تلك الثروة، فتفقد قيمتها وتختفي ميزتها عندك، ولكن من فقد الاستقرار في وطنه، لسبب سياسي او اقتصادي، فإنه سيقدر هذا "الاستقرار"، بل ربما يستطيع ان يعطيه "قيمة رقمية" في دفتر حساباته. اما نحن السعوديين، ورغم اننا نعيش وسط عالم مضطرب من حولنا، فلا نستطيع ان نعطي هذا الاستقرار "قيمة رقمية"، لأننا تعودنا عليه.

       وردت علي هذه الخاطرة هذه الايام، بينما كنت اجيب عن اسئلة صحافيين بريطانيين يسألون عما يمكن ان يحصل في بلادي بعد خادم الحرمين الشريفين حفظه الله، ويمر معه الوطن كله بوعكة صحية -نرجو ان تكون عابرة- فأجيب دوما: "لا شيء غير عادي، لا ننظر انه لو جرى قضاء الله وقدره بأن ثمة نهاية لمرحلة وبداية لأخرى، وانما استمرارية لمؤسسة ناجحة وقائمة بدون انقطاع"، بالرغم ان اي سعودي يتردد، بحكم طبيعته العاطفية، ان يتحدث عن مرحلة "ما بعد الملك فهد"، ذلك انه حفظه الله بمثابة "الأب" الذي اعتاد عليه جل الشعب السعودي. وجل هذا الشعب من الشباب، الذين فتحوا اعينهم وتعلموا وحصلوا على وظائف وبنوا بيوتا وتمتعوا بفرص وفرتها حكومته في عهده. وبالتالي، لا يملكون سوى الالتفاف حول سريره، كما يفعل الابناء عندما يعتري اباهم عارض صحي، والحديث هنا حول الاسرة الكبيرة الواسعة، دون ان يجدوا سببا للقلق، او توقع المفاجاءات.

     لذلك، كان طبيعيا ان ينزعج المواطن السعودي، قبل المسؤول، من الحديث الذي تعجلت به وكالة انباء عالمية ان في المملكة "حالة انذار" او "طوارئ"، بسبب العارض الصحي الذي ألمّ بخادم الحرمين. مسوؤل سعودي كبير قال في جلسة خاصة "حتى لو حصل قضاء الله وقدره، فلن تعلن حالة طوارئ، لأن اي سعودي يعرف من سيكون ملكا غدا، وأي سياسة ستتبع حكومته. انها استمرارية عشناها منذ زمن الملك المؤسس رحمه الله، الى ابنائه الملوك الذين تعاقبوا على حكم البلاد". ولكن، مهما حاولنا ان ننفتح اعلاميا ومعلوماتيا على الاعلام الدولي، نظل دوما ذلك البلد "المختلف". والحق اننا مختلفون. فوظيفة الملك عندنا خليط بين وظيفة الحاكم "المدنية" ووظيفة الامام "الدينية"، وهو ما يفسره يمين الولاء في البيعة على "كتاب الله وسنة رسوله، والسمع والطاعة في المنشط والمكره"، وهو وضع لم يعد موجودا حولنا في العالم. انها معان لا يستوعبها الصحافي الانجليزي او الياباني، لأنه لا يعيشها، يعززها عنده ذلك الاحترام الهائل الذي يراه في الملك السعودي وهو يدخل مجلسه في هيبة، ومن حوله عشرات الرجال، من امراء وعلماء دين ووزراء وشيوخ قبائل ورجال اعمال ووجهاء، يحيطون به بإجلال في مجلسه الفسيح، حيث يطلق فيه البخور الشرقي، وحرس ممنطقين بسيوفهم وبنادقهم، منظر يراه "الخواجة" وكأنه آت من كتب التاريخ العتيقة! ولكن عندما يبدأ بالاقتناع انهم فهم "المنظر"، تزداد حيرته وهو يسمع الملك او ولي العهد يتحدث مع مستشاريه ووزرائه، من خريجي جورج تاون واكسفورد، حول قضايا السياسة والاقتصاد المعاصرة، بحداثة لا تبعد كثيرا عما عاشه في بلده.

       هذا نحن، جمعنا التمسك بالدين والاصالة مع الحداثة، والاهتمام بالتطور المعيشي، والسعي نحو حياة افضل، وسوف نستمر كذلك. وبالتالي، استمر في حديثي مع الصحافي البريطاني: "ان السعودي غير مشغول بما هو يلح في السؤال عنه"، اي ما يسميه "الخلافة"، التي يكثر المحللون الغربيون في طرق موضعها. فالسعوديون، وقبل ان يواروا، بالدعاء والدموع، مليكا، سيكون لديهم ملك يبايعونه ويتفقون عليه، في نفس اليوم، بل خلال ساعات قليلة، دون الحاجة الى اجتماعات مارثونية مغلقة. ولن تكون هناك مساومات سياسية، او تقاسم للسلطة.. الى آخر تلك العبارات التي يستعيرها الصحافي من قواميس السياسة في الدول الاخرى.

       هذه هي المملكة العربية السعودية التي تركها لنا الملك عبد العزيز، وهي نفس المملكة التي سيتركها لنا كل من سار على سنته.

التعليق