أقوى نوع

تم نشره في الثلاثاء 31 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

بعض الظواهر والاخلاقيات يمكن ان تتوافر في كل مجتمعات الدنيا، لكن بعض هذه السلوكيات اذا ظهرت في العمل العام والسياسي فإنها تشير الى خلل حقيقي في البنية التحتية لهذا المجال او ذاك، وتدلل على مدى تماسك السياسيين والعاملين في العمل العام.

وتروي المجالس مثلاً، ان مسؤولاً كبيراً جداً، لكنه سابق، ويمكن ان يوصف بأنه كان مسؤولاً  من "اقوى نوع"، حسب مصطلحات الفنان الاردني موسى حجازين، هذا المسؤول السابق تمت دعوته الى مأدبة غداء في احدى المناطق، وكالعادة حرص المعازيب على توسيع دائرة الحضور، عبر دعوة شخصيات رسمية؛ لكن المفاجأة المتوقعة ان الغياب كان كبيراً، وربما كاملاً، باستثناء بعض من يحسبون على الحرس القديم، الذين ما زالوا يرون قيمة للوفاء لصحبة قديمة، او نوعاً من الشجاعة، التي يراها البعض نقيضاً للصعود الى الأمام او الخوف من التقارير الادارية التي قد تسجل على الحضور تناولهم المنسف بمعية فلان او علان. وقد يكون السبب الحقيقي حسابات داخلية، تفترض العواقب وتصنع خوفاً قد لا يكون حقيقياً، لكن اصله الحقيقي مرتبط بأخلاقيات العمل السياسي وقواعده.

وربما لو عادت ذاكرة الناس لأيام عز هذا المسؤول الكبير وامثاله، لشاهدوا عمليات التزلف والتقرب وبرقيات التهنئة، واعتبار اللحظة التي يحظون فيها بالسلام عليه فرصة تاريخية، تتحول الى لقطة في اطار جميل توضع في الصالونات، والسعيد والأكثر حظاً من حظي بتوقيع على صورة؛ لكن هذه (التصاوير) تحولت الى ما يشبه المنشورات، يعمل صاحبها على اخفائها والتخلص منها، تماما مثلما يفعل اعضاء التنظيمات غير العلنية في خلاياهم وحلقاتهم، عندما يقرأون منشوراً او تعميماً، ثم يتخلصون منه بالحرق، رافضين حتى وسيلة التمزيق.

يروي التاريخ ان احدى المدن الاردنية شهدت في سالف العصر دعوة لعدد كبير من السياسيين واصحاب المواقع، وبعد ان تناولوا غداءهم، تلقى صاحب الدعوة هاتفاً من شخص "كان" مهماً جداً، وربما من فئة "الاقوى نوع"، لكنه سابق ولم يعد يحمل نفوذه وسلطته. وبعدما عرف الحضور بالضيف، هطلت على الجلسة اشكال الاعتذارات والتسلل من الجلسة، وخفتت الاصوات، واصاب الاصفرار بعض الوجوه، وكل هذا لأنهم لا يريدون ان تسجل صفحات التاريخ والملفات ان مكاناً واحداً جمعهم مع هذا السابق، وكأنه يحمل عدوى او مرضاً صعباً! لكنه الخوف الذي يعود، بالدرجة الاولى، الى منظومة قيم العمل السياسي، وربما الاجتماعي.

وما ينطبق على مسؤولي "الاقوى نوع" يتحقق عند من هم ادنى منهم، ومن كانوا يوماً في موقع يتمنى البعض ابتسامتهم، او السلام عليهم، او كلمة خير، وإذا بهم يتحولون، بتغير المواقع، الى مصدر غني وثري لجلسات الغيبة والشتم والتقويم الذي قد لا يريد اصحابه الا ان يتحول الى كلام منقول للمسؤول الجديد، ووريث الموقع الهام، وبخاصة ان اهل هذه المجالس يعلمون أن عمليات انتقال الاراء أصبحت سهلة في ظل تكنولوجيا المعلومات، ورغبة البعض في الحديث والثرثرة.

العبرة ليست في قصة او اثنتين او عشر، ومن المؤكد ان اهل الخبرة لديهم الكثير من النماذج والقصص والحكايات، لكن جوهر الامر ان على من يرتقون المواقع الكبرى والهامة جداً ان يحسبوا حساب المستقبل، وان التهافت على ابتساماتهم، والتقاط الصور معهم، او دعوتهم، او حتى الحضور في مأدبة هم فيها، امر يمكن ان يزول، وان تروى قصص بحقهم مثل تلك التي نسمعها ويرويها التاريخ، الا اذا كان ما نسمعه من حكايات غير صحيح.

التعليق