أيمن الصفدي

ارهاصات ديمقراطية

تم نشره في السبت 28 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

أخذت الازمة بين الحكومة واعضاء في مجلس النواب تترك آثاراً هيكلية على ديناميكية الحياة السياسية, باتجاه الاسهام في توليد تفاعلات سياسية اكثر نضوجاً بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. ورغم تركز الحوار حول سبل الخروج من عنق الزجاجة في قنوات غير علنية, يبدو واضحاً ان كل طرف يستثمر اي فرصة سانحة لتوضيح موقفه.

 اخر هذه الفرص كان الاحتفال بيوم الاستقلال الذي اقامه رئيس الوزراء, حيث لم تَحُل احتفالية المناسبة دون اطلاق مواقف سياسية من قبل رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب بالانابة د. ممدوح العبادي.

رئيس الوزراء وظف المناسبة لاعلان ما يمكن وصفه ببرنامج عمل للحكومة, وحدّد الاطر التي سيحتكم اليها في حسم خلافه مع النواب. اما د. العبادي فقد غلف خطابه, حتى الاحتفالي منه, برسائل سياسية متعددة, كان اوضحها ضرورة التعامل مع موقف النواب المعارض للحكومة على انه موقف سياسي, يعكس درجة معقولة من الديمقراطية وتدرجها عبر محطات النضوج. وفي هذا مؤشر ايجابي.

 فالاصلاح, المطروح مشروعاً للاردن, لن يخرج من اطار الشعارات اذا لم يترجم ممارسات تؤسس لتقاليد راسخة في العمل السياسي. ولعل من بين اهم هذه التقاليد ايجاد التوازن بين قوة السلطتين التنفيذية والتشريعية, فتنتهي بذلك حالة التغول التي حظيت بها الحكومة, على السلطة التشريعية, جراء امتلاكها آليات السلطة ومقدراتها.

 البيئة السياسية تسمح باستعادة مجلس النواب دوره نداً للحكومة ورقيبا على ادائها حسب النص الدستوري. وهذا, بالطبع, يتطلب ان يعيد مجلس النواب النظر في آليات عمله باتجاه مأسسة العمل النيابي, فينفق مخصصاته على تمكين اعضائه من خلال تزويدهم مساعدي بحث بدل ان يشتري سيارات لا داعي لها, ويطور كتلاً تجمعها برامجها ولا تفرقها اعتبارات خدماتية او مناطقية, فيخرج النائب اذ ذاك من اطار ممثل المنطقة الى دائرة تمثيل الوطن.

 وبالتوازي مع ذلك, يجب اعادة صياغة النظرة الرسمية والشعبية الى مجلس النواب. فالمجلس ليس "المعارضة" الرافضة التي يشكل اي غلبة لها على رأي الحكومة انكساراً للدولة. الحكومات لا يشكلها الفائزون في الانتخابات بحيث يصبح باقي اعضاء المجلس معارضين بشكل تلقائي. فالحكومة والمجلس, بهذا المعنى, ذراعان للدولة لا يتقدم أي منهما على الآخر, لناحية الدور او لناحية الايمان بالدستور اطاراً ومرجعاً.

 لذلك لا يمكن النظر الى الخلافات بين الحكومة والمجلس الا على أنها خلافات بين مؤسستين من مؤسسات الدولة. وبالتالي ليس هناك حرج من تطور الخلافات, او الاختلاف, الى درجة حجب المجلس ثقته عن الحكومة. فالديمقراطية تسمح باختلاف الرأي تماماً كما تسمح بالتقائه. وطالما ان الدستور هو الاطار الناظم لهذا الخلاف, فأي حراك سياسي هو من ارهاصات عملية ديمقراطية يقتضي انضاجها الانفتاح على جميع الاحتمالات.

التعليق