أيمن الصفدي

إصلاح المفهوم

تم نشره في الأربعاء 25 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

الحكومة والمعارضة ومؤسسات المجتمع المدني متفقون ان اطلاق مسيرة اصلاح شاملة هي شرط تمكين الاردن مواجهة استحقاقات اقتصادية وتحديات سياسية قادمة. الاتفاق على الهدف يجب ان يرافقه اتفاق على آلية العمل وقناعة بان الاصلاح في النهاية ثقافة تتقاسم الحكومة وقوى المجتمع مسؤولية تكريسها.

دور الحكومة في هذه المسيرة اساسي. فقوة السلطة التنفيذية اكبر بكثير مما تسمح به معادلة توازن السلطات في مجتمع ديمقراطي. وكونها تقول إنها وصلت الى قناعة ان الديمقراطية والاصلاح حتمية لحماية الدولة المكلفة خدمة مصالحها, عليها ان توظف هذه القوة لتصحيح اختلالات لا يستقيم معها اي توجه ديمقراطي.

عمل الحكومة الاصلاحي يجب ان يشمل اطلاق اصلاحات تشريعية, وضمان سيادة القانون, وتكريس آليات محاسبة ليصبح موظف الحكومة في تعريفه لوظيفته "خادما عاما" وليس "مسؤولا". وعلى الحكومة ان توفر للمواطن اطرا قانونية لحمايته من اساءة استعمال السلطة من قبل موظفيها, ومن الدكتاتورية الفكرية والقيمية التي ما تزال حاجزا تضعه قوى مجتمعية بين الناس والمستقبل في آن.

دور المجتمع الاهلي مكمل ولا يقل اهمية في توفير شروط نجاح المشروع الديمقراطي. فتطوير المفهوم واعادة صياغة قيم سادت لكنها لا تنسجم مع الفكر الديمقراطي الحديث جزء اساس من عملية الاصلاح ومهمة لن تنجح اذا لم تتصدَّ لها النخب السياسية والثقافية.

بالقطع فان تكريس ثقافة ديمقراطية يستدعي اعترافاً بضرورة انتهاج قراءة نقدية للمنظومة القيمية التي تحكم سير المجتمع. وتعميم الفكر الديمقراطي يشترط تطوير المفهوم القيمي الذي تقدمه النخب الثقافية والسياسية.

اذا كان الان وقت الاصلاح, فالان ايضاً وقت التحرر من افكار وقيم تتعارض مع متطلبات الديمقراطية في العدالة واللاعنصرية  واحترام القيم الانسانية. وحرية الرأي التي اكدت عليها مواثيق الامم المتحدة لا تشمل الترويج للعنصرية او الجريمة او الارهاب او التمييز او الظلم.

تطوير المجتمع الاردني يتطلب نشر قيم عصرية مستقاة من الواقع ومرتكزة الى فهم لاولويات المواطنين ومنسجمة مع روح العصر .

وبالطبع, لا يعني هذا الطرح الانسلاخ عن الجذور التي تحوي قيما ومفاهيم اكثر تطورا من تلك التي تحتضنها الاتفاقات الحديثة. لكنه يعني, بالضرورة, الخروج من سجون طروحات ولت الظروف التي اولدتها , وانتهت صلاحيتها لانها ما عادت ذات نفع  او جدوى او قدرة على الاقناع .

ويعني ايضا رفع الوصاية التي يفرضها منظرو افكار »قوموية« تفرق العرب ولا تجمعهم, لانها ترفض حقيقة الدولة التي تكرست في الوعي الجمعي لمواطنيها هوية.فالطريق الى توحيد العرب هو الاعتراف بانهم اصبحوا دولا يفيدون ان تعاونوا على اساس قطريتهم المكملة احتياجات الواحد منها ومصالحها للاخرى, ويخسرون ان رفضوا الاعتراف بخصوصياتهم .

الفكر الذي ينتقص من حق الفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين في صياغة مستقبلهم هو فكر ابوي يفترض حق الوصاية. وهذا فكر لا يبني ديمقراطية.

نجاح  الاصلاح يتطلب بناء ارضية ثقافية تحمله. فالديمقراطية السياسية لا تعم اذا لم تحمها ديمقراطية ثقافية.

التعليق