ربيع الديمقراطية في الشرق الأوسط

تم نشره في السبت 21 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

    تُـشكِل نتائج الانتخابات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في أكثر من مكان دليلاً على توجه جديد: يتمثل في ارتفاع شعبية الأحزاب السياسية الإسلامية ـ تلك التي تؤسس برامجها السياسية على الشريعة الإسلامية. فحيثما أقيمت الانتخابات كان أداء الإسلاميين فيها طيباً: حماس بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة؛ والتحالف الشيعي ذو التوجهات الدينية في العراق؛ وإحدى الطوائف البرلمانية في المغرب، وفي المقام الأول من الأهمية، حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا.

    ومن هنا فقد أصبح لزاماً على الحركات الديمقراطية في لبنان ومصر وبلدان أخرى في المنطقة أن تواجه التحدي المتمثل في دمج الأحزاب الإسلامية داخل أنظمة ديمقراطية. ولكن هل نستطيع أن نقول إن الإسلاميين محل ثقة؟ وإذا ما تمكنوا من تولي السلطة فهل يحترمون حقوق الأقليات والنساء، وهل يتركون السلطة إذا ما خسروا الأغلبية في الانتخابات؟ هل يتسامحون مع من ينشق عنهم أو يعارضهم؟ أم هل تكون مثل هذه الانتخابات معتمدة على مبدأ "رجل واحد، وصوت واحد، ومرة واحدة؟".

    باعتباري متخصصاً في علم الاجتماع فقد ظللت أدرس هذه القضايا لمدة ثلاثين عاماً. وبصفتي كأحد النزلاء في سجن مصري، فقد ناقشت هذه القضايا مع زملائي من النزلاء في السجن، وكان العديد منهم مسجونين بتهمة تأييد الحركة الإسلامية في مصر. ولكن ما هي النتيجة التي خلصت إليها من خلال مناقشاتي؟ إن الأحزاب الإسلامية تمر الآن بمرحلة تغيير.

لقد أصبحت هذه الأحزاب تدرك التحولات الاجتماعية الجارية في الشرق الأوسط والتي تسلك مساراً يؤدي إلى الديمقراطية، وهم راغبون في المشاركة. وأنا أرى أننا ربما نشهد الآن نشوء الأحزاب الديمقراطية الإسلامية، وهو ما يشبه كثيراً نشوء الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا في الأعوام التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.

     ليس من العسير أن نفهم الأسباب وراء الشعبية التي يحظى بها الإسلاميون. فنظراً للمساحة الضيقة التي تركتها الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط للتعبير الحر، برز المسجد باعتباره المكان الوحيد حيث يستطيع الناس أن يجتمعوا بحرية. ولقد استجابت الجماعات الدينية لهذه الفرصة فظهرت في البداية باعتبارها هيئات تعمل في مجال التكافل الاجتماعي، ثم بعد ذلك أصبح رموزها مساوين للساسة المحليين. وخلال هذه العملية اكتسبوا المصداقية باعتبارهم مدافعين عن الناس جديرين بالثقة ـ وهي علامة فارقة حقيقية بينهم وبين الحكومات القمعية الفاسدة.

    من حيث المبدأ، سيكون من النفاق والرياء أن ندافع عن الديمقراطية ثم نستبعد الإسلاميين في ذات الوقت من المشاركة السياسية السلمية. لكن ممارسة السياسة الانتخابية أيضاً تعطينا سبباً للتفاؤل. وفقاً لحساباتي، فإن ما يقرب من ثلثي مسلمي العالم، الذين يبلغ تعدادهم 1.4 مليار نسمة، يعيشون الآن في ظل حكومات منتخبة تشارك فيها أحزاب إسلامية.

    حين تُحْرَم الجماعات الإسلامية من المشاركة في السياسة الانتخابية، فإنها تكتسب هالة أسطورية. وتظل مبادئها تعبر عن تصورات وأفكار لم تختبر، ولا يتم إخضاعها أبداً لمواجهة الحقائق العملية للحكم. في عام 1989 أخذ الملك حسين الراحل على عاتقه مواجهة هذا التحدي، بعد أحداث الشغب التي قادها الجائعون في مدينة معان بجنوب الأردن. جمع الملك كافة القوى السياسية لوضع مسودة لميثاق وطني للمشاركة السياسية. ولقد شارك الإسلاميون في ذلك الجهد بعد أن تعهدوا باحترام قواعد اللعبة.

    ومنذ ذلك الوقت شارك الإسلاميون حتى الآن في أربعة انتخابات أردنية. في المرة الأولى حصلوا على الأغلبية التي ضمنت لهم تشكيل الحكومة، ثم شرعوا في وضع شعاراتهم موضع الممارسة والتطبيق، لكنهم فشلوا في الاحتفاظ بالتأييد الشعبي. وفي الوزارات الأربع التي تولاها الإسلاميون، فرضوا قيوداً على الإناث من هيئة العاملين بالحكومة، الأمر الذي أدى إلى انطلاق احتجاجات واسعة النطاق أجبرت الوزراء الأربعة على الاستقالة في النهاية. وفي الانتخابات اللاحقة انحدر نصيبهم من الأصوات على نحو حاد.

    في المقابل، من الخطأ أن نعتقد أن القوة قد تنجح في القضاء على الحركات الإسلامية. بل إن الإصلاح السياسي لابد وأن يشملهم ـ في ظل الشروط التالية:

• احترام الدستور الوطني، وحكم القانون، واستقلال القضاء.

• قبول مبدأ تداول السلطة تأسيساً على انتخابات حرة نزيهة تتم تحت مراقبة دولية.

• ضمان الحقوق المتساوية والمشاركة السياسية الكاملة للأقليات من غير المسلمين.

• المشاركة الكاملة والمتساوية للنساء في الحياة العامة.

    لا ينبغي أن ننسى الدور الحساس الذي تلعبه الجهات الخارجية الفاعلة في الترويج للديمقراطية في الشرق الأوسط. قيل الكثير عن حملة الرئيس جورج دبليو بوش "الصليبية" التي تقودها أميركا من أجل جلب الديمقراطية إلى العالم الإسلامي. كانت الحرب في أفغانستان والعراق مبنية، في جزء منها على الأقل، على فكرة نشر الحرية؛ وعلى نحو مشابه، فمن المفترض أن تعمل مبادرة شراكة الشرق الأوسط على جعل الديمقراطية المحور المركزي للمساعدات الأميركية المقدمة إلى المنطقة.

    مع ذلك، فمن المهم أن نتذكر أن الديمقراطية كانت على الأجندة الدولية قبل أن تتعرض الولايات المتحدة للهجوم في سبتمبر 2001. ففي ظل اتفاقية برشلونة في عام 1995، عرض الاتحاد الأوروبي تقديم المعونات والتسهيلات التجارية إلى العديد من الدول العربية، في مقابل تحقيق التقدم على مسار الإصلاح الديمقراطي. ولقد تلقت الدول العربية المساعدات التجارية بالفعل، لكن ما تم إنجازه فيما يتصل بالإصلاح الداخلي العربي كان في أضيق الحدود. وفي سبعينيات القرن العشرين ساعدت اتفاقية هلسنكي على إسقاط الإمبراطورية السوفييتية. ونحن في حاجة إلى صيغة مشابهة من أجل الشرق الأوسط.

     أياً كان رأي المرء في التدخل العسكري الأميركي، فلابد وأن يُـسَلِم بأن ذلك التدخل قد بَـدَّل نواميس المنطقة. فعلى الرغم من النفور الذي تبديه قوى المعارضة المحلية نحو الولايات المتحدة، إلا أنها اكتسبت جرأة ملحوظة في لبنان، ومصر، والسعودية، وفي بلدان أخرى. ولقد أصبحنا جميعنا الآن نترقب علامات البدء بين جيراننا.

    أعرف أن محاولات لتحريك الديمقراطية قد سُحِقَت من قبل: في بودابست عام 1956، وفي براغ عام 1968، وفي ميدان السلام السماوي عام 1989. إلا أن الشهور القليلة الماضية حملت معها مشاعر ونسمات جديدة يستحيل عكسها أو ردها. فقد أصبح لدى العديد من الناس في العديد من الأماكن الجرأة على تحدي مضطهديهم وقبول المجازفة في سبيل الحرية. وبالنسبة لناشط أمضى عمراً مديداً في العمل، فإن مناخ اليوم يبدو وكأنه الربيع.

التعليق