منار الرشواني

إصلاح من غير إصلاحيين

تم نشره في الخميس 19 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً
  • › مقالات سابقة

 هل نحتاج، ونقبل بإصلاح من الخارج، أم يجب أن يكون الإصلاح في العالم العربي نابعاً من الداخل، وبما ينسجم مع الهوية الوطنية للبلدان العربية وامتدادتها العربية والإسلامية؟ هذا هو السؤال، وليست الإجابة عنه -ويا للمفارقة والغرابة- هو الذي شكل محور كتاباتنا، وتصريحاتنا الملتهبة، وسجالاتنا منذ شرعت الولايات المتحدة الأميركية بالمطالبة بهذا الإصلاح!

سجال كهذا نعرفه جيداً منذ زمن طويل، إن لم نكن ما زلنا نعيشه، حول ركن من أهم أركان الإصلاح الذي بات محل إجماع شعبي، وهو السجال حول المواثيق العالمية لحقوق الإنسان، ومدى قابلية تطبيقها في العالم العربي، تحت ذريعة "الخصوصية" العربية، والإسلامية، والتنموية... وغيرها الكثير الكثير. أما نتيجة هذا السجال، فلم تكن سوى الواقع الذي وصلنا إليه اليوم! إذ إننا لم نخسر بنقاشاتنا، التي يتبين كل يوم أنها كانت بيزنطية وعدمية، تطبيق المواثيق العالمية لحقوق الإنسان في البلدان العربية وحسب، ولكننا، وهذا هو الأهم والأخطر، قدمنا الغطاء والمدخل للغرب لتبني معايير مزدوجة تبرر انتهاكات حقوق الإنسان العربي، من خلال تصويرنا كأمة ترفض مفاهيم حقوق الإنسان (وكذلك الديمقراطية)، بحيث يتم انتهاك حقوق الإنسان العربي بشكل مباشر من قبل الغرب، أو الصمت عن تلك الانتهاكات التي يرتكبها العديد من النخب الحاكمة، باعتبارها تدافع عن نفسها، وعن المواطن العربي ضد المتطرفين والإرهابيين، الرافضين لحقوق الإنسان!

قد يتساءل البعض، وربما يقرر، دون طرح السؤال، أن هذا الكلام هو دعوة لقبول الإصلاح من الخارج، حتى لو كان ذلك من خلال الغزو والتدمير! لكن الحقيقة أن رفض إصلاح الخارج هو حقنا، إن لم نرد القول أنه واجبنا وفرض علينا، لأننا نكون من السذاجة بمكان ان نحن صدقنا بأن أيا كان يعمل لمصلحة غيره، لا سيما في علاقات الدول ببعضها، وفي زمن يزداد التنافس المحموم على الموارد كما على الاسواق. لكن من ناحية أخرى، فإن مثل هذا الرفض للإصلاح القادم من الخارج، لا يكون حقاً ومنطقاً إلا إذا أثبتنا أن لدينا البديل، أي برنامج إصلاح وطني معبر عن تطلعات الإنسان العربي، ليغدو السؤال هنا: هل لدينا مثل هذا البديل؟، أو على الأقل، هل نعمل فعلاً على خلق هذا البديل؟

من الواضح والبدهي أن الإجابة عن السؤال الأخير، هي وحدها القادرة على حسم جدلنا حول الإصلاح وضمنه السؤال المركزي السابق: هل نحتاج، ونقبل بإصلاح من الخارج، أم يجب أن يكون الإصلاح في العالم العربي نابعاً من الداخل، وبما ينسجم مع الهوية الوطنية للبلدان العربية وامتدادتها العربية والإسلامية؟

بعيدا عن التصريحات ومؤتمرات الإصلاح الرسمية، التي تبدو إلى حد بعيد غاية بحد ذاتها، وتسعى، في الواقع، إلى مصادرة الإصلاح الحقيقي، فإن الإجابة عن مدى وجود البديل الإصلاحي العربي، أو حتى مدى القدرة على إنتاجه، ليست سهلة على الإطلاق، بعد عقود من تعميم ثقافة الاستبداد والإقصاء في أغلب الدول العربية، وغياب الديمقراطية لفترات طويلة عنها جميعاً. وبرغم ذلك، يبدو من الممكن التقاط مؤشرات باتجاه بلورة هذه الإجابة، ولعل ليس هناك دولة أنسب من الأردن لتقديم مثل هذه المؤشرات.

فالأردن كان من أوائل الدول العربية التي سارت باتجاه ثابت نحو الديمقراطية منذ العام 1989، دون الإدعاء بعدم وجود تراجعات بين فترة وأخرى. وإضافة إلى ذلك، وهذا هو الاهم، فإن الحركة الإسلامية، التي ينظر إليها بحق على أنها التنظيم السياسي-الاجتماعي الأقوى في أغلب البلدان العربية، هذه الحركة بقيت حاضرة، بشكل شرعي وعلني، على الساحة الأردنية منذ تأسيسها في أربعينات القرن الماضي وحتى الآن، وبشكل متفرد تماما تقريبا لحوالي أربعة عقود. ومن ثم، فإن السؤال: هل تبدو الحركة الإسلامية في الأردن قادرة، على الأقل، على وضع أسس الإصلاح الوطني المرغوب؟

باختصار، وبالاستناد إلى الرؤية التي قدمتها الحركة للإصلاح، من خلال المذكرة المرفوعة إلى رئيس الوزراء، يبدو أن الحركة الإسلامية في الأردن ما زالت غير قادرة على وضع أسس الإصلاح الوطني المرغوب، ناهيك عن طرح مشروع متكامل.

فرغم أنه لا جدال حول مشروعية وإلحاح العديد من المطالب التي تضمنتها مذكرة "حزب جبهة العمل الإسلامي"، وحاجة بعضها للتوقف والتمحيص، إلا أنه من الصحيح أيضا أنها مطالب جزئية أو مجتزأة. وبعبارة أخرى، فإن أي مشروع أو بيان لا يناقش القضايا الكبرى المرتبطة بالسياسات العامة، أو لا يتناولها في سياقها المعقد والمتشابك، لا يمكن أن يكون مشروعا او بيانا إصلاحيا، بل هو نوع من تسجيل الحضور، سواء الحقيقي أو الإعلامي أو الجماهيري، والكارثة أن يكون محاولة للهروب من الاستحقاقات الحقيقية، وإن كنا نربأ بالحركة عن ذلك.

فبعيدا عن المطلب المتكرر بقطع العلاقات الديبلوماسية مع إسرائيل، على سبيل المثال، والذي يتم تصويره كـ"جرة قلم"، بحسب القول الشعبي، والتغاضي عن آثاره السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتبعاته على المستوى الدولي. بعيدا عن ذلك، تبرز القضية الأهم، التي يستشعرها المواطن الأردني منذ عقود، والمرتبطة بالتنمية الاقتصادية.

فرغم كل بيانات الشجب والتنديد بالسياسات "الجائرة" و"الظالمة" و"المتوحشة" لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فقد كنا عاجزين عن تقديم وصفة بديلة "وطنية"، واكتفينا بالبيانات والخطب، وكأنما الأردن يأخذ بهذه السياسات، (التي أتفق تماما مع القائلين بأنها تعمق الفقر وتوزيع الدخل، بل وحتى البطالة) من باب الترف!

لكن الرد على قولنا السابق قد يكون بأن قانون الانتخاب (قانون الصوت الواحد)، والذي تطالب الحركة الإسلامية وغيرها بتغييره، قد أضعف مجلس النواب، والقوى الحزبية والسياسية الأردنية بشكل عام... لكن الواقع يثبت العكس تماما.

فسياسات صندوق النقد والبنك الدوليين، وكما يعلم الجميع، بدأت منذ العام 1989، وكانت أحد أسباب عودة الحياة الديمقراطية إلى الأردن، أما المجلس النيابي المنتخب في ذلك العام، بموجب قانون انتخاب مختلف عن الحالي، ومتوافق عليه إن لم نقل مقبولا من قبل الجميع، ذلك المجلس الذي نعتبره علامة مميزة على طريق الديمقراطية الاردنية، وشهد الحضور الأكبر للحركة الإسلامية، فلم يتم في عهده رفض سياسات صندوق النقد والبنك الدوليين، بل إن الحكومة الأردنية أوقفت برنامج الإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع هاتين المؤسستين اضطرارا، نتيجة حرب الخليج الثانية، ثم ما لبثت أن عادت إلى تطبيقه بعد ذلك.

باختصار، وإلى حين وجود رؤية واضحة وبرنامج عمل حقيقي قابل للتنفيذ على أرض الواقع، من خلال فهم معطيات البيئة الدولية والإقليمية، كما المحلية، والابتعاد عن استثارة العواطف كغاية بحد ذاتها، إلى حين ذلك يبدو أن الخيار هو للجدل النظري ليس إلا، جدل حول الإصلاح المفروض من الخارج أم "شعار" الإصلاح النابع من الداخل.

التعليق