محمد أبو رمان

مبادرة "الإصلاح" الإسلامية.. ما الجديد؟!

تم نشره في الخميس 19 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

مبادرة الإصلاح الإسلامية التي رفعها أمين عام حزب جبهة العمل الإسلامي حمزة منصور لرئيس الوزراء لا تمثل رؤية أو برنامجا متكاملا للإصلاح، وإنما مطالب عامة يتفق على جلها الجمهور الأردني، ومن ذلك إطلاق الحريات واحترام الحقوق السياسية، وعدم تدخل الأجهزة الأمنية في تفاصيل الحياة السياسية، وقانون انتخابات عصري ديمقراطي..الخ. هذه المطالب هي ذاتها الموجودة في برنامج الحركة الانتخابي، ولم تطور الحركة عليها شيئا، وأزعم أنها تمثل مطالب الحركة ذاتها منذ سنين. ونحن هنا أمام احتمالين لا ثالث لهما: إما أن الزمن متوقف ولا يتحرك فتوقفت عنده ممارسة الحركة وخطابها. أوأنها أسيرة لحالة من الجمود والتكلس الفكري منذ أمد بعيد!.

مبادرة جماعة الاخوان الأردنية لا تقارن بما صدر عن جماعة الاخوان في كل من مصر وسورية، لا في عمق الأفكار المطروحة، ولا في موضوعة التجديد، فعلى الرغم مما اعترى مبادرة الاخوان السوريين والمصريين من قصور واضح إلا أن مبادرة الاخوان الأردنيين قد ظهرت ضعيفة وتقليدية مقابل هاتين المبادرتين. إذ تعترف مبادرة الاخوان السوريين  بالتعددية والديمقراطية والأحزاب السياسية الأخرى ودور المعارضة ومختلف مفردات اللعبة السياسية!. في حين تتضمن مبادرة الاخوان المصريين رؤية أكثر تفصيلا في مسائل سياسية واقتصادية متعددة، تسمح لنا كمراقبين أن نفهم بشكل واضح وجلي رؤية الجماعة للكثير من القضايا السياسية والاقتصادية. بينما ما زالت مبادرة الاخوان في الأردن متسمرة عند الخطوط العامة ولغة الشعارات والمطالبات في ظل غياب لأية رؤية موضوعية وعملية للمشكلات الاقتصادية والقضايا السياسية في الأردن، الأمر الذي يطرح سؤالا رئيسا وهو هل تفتقد الجماعة للنخبة القادرة على صوغ مبادرة متقدمة تطرح خطابا سياسيا وفكريا عمليا ويشكل اختراقا لحالة الجمود والكسل الفكري الذي تعاني منه الجماعة؟..

الغريب أن  كوادر الجماعة في الأردن تزخر بالطاقات التكنوقراطية والمهنية وأساتذة الجامعات والمتخصصين، وتمثل عماد الطبقة الوسطى الأردنية، وبالتأكيد فإن المبادرة لا تعكس ضحالة هذه الطبقة العريضة، وإنما تبرز معضلة كبيرة يعترف بها عدد من مثقفي وشخصيات الجماعة وهي معضلة "القيادة"؛ وتتمثل بتغييب وتحجيم هذه الطاقات واستئثار عدد من القيادات التقليدية بصناعة القرار وتسيير أمور الجماعة.

 هذه القيادة ليست بالضرورة في المواقع العليا للجماعة - فالمراقب العام لا ينتمي لهذا الاتجاه- لكن هي المؤثرة والقادرة على إدارة الجماعة واتخاذ مواقفها السياسية، وقد أدت حالة التحكم هذه إلى تذمر وشكوى من عدد من النواب الإسلاميين وقادة جبهة العمل. إلا أن ذلك لم يتبلور -إلى الآن- من خلال اتجاه فكري سياسي داخلي يعيد الحيوية إلى الجماعة والحزب وممارستهما الفكرية والحركية، ويعطي زخما جديدا للجماعة لتجاوز حالة الجمود في أفكارها وممارستها الحركية. ويتعزز هذا العامل مع مشكلة أخرى وهي الاستقطاب الداخلي الذي تعاني منه الجماعة منذ سنوات طويلة، وقد أدى إلى انزواء عدد من المثقفين والشخصيات الوطنية في الجماعة، وضعف حضورهم في عملية صناعة القرار أو التخطيط للجماعة وخياراتها واتجاهاتها المستقبلية.

ولا يقف الأمر عند حدود استئثار عدد من القيادات التقليدية بالنفوذ التنظيمي، بل يتعداه إلى معضلة أكبر: وهي أن هذه القيادات لا يمتلكون رؤية سياسية للإصلاح، وكثير منهم لا يؤمن ابتداءً بقواعد اللعبة السياسية، وما يزال يتمسك بخطاب عفا عليه الزمن ينظر إلى الديمقراطية كأداة فقط للوصول إلى الأهداف السياسية دون إيمان حقيقي بقواعد اللعبة ومخرجاتها المختلفة. وما يزال هذا الخطاب ينظر إلى النظم الحالية على أنها جاهلية وأن مفاهيم المواطنة والمسؤولية المدنية والأخلاقية بدعة غربية.

أمام جماعة الاخوان الأردنية حتى تصدر مبادرات فاعلة مؤثرة أن تفعِّل دور الشباب المثقف ، وأن تستثمر إمكانياتهم، وهي في المحصلة ثروة وطنية، أما تجميد هذه الطاقات تحت عناوين الطاعة التنظيمية والحركية ووحدة الجماعة ومواقفها العامة، فيؤدي في المحصلة إلى خسارة الوطن كله  لهذه الطاقات المتميزة، والتي يمكن أن يستفاد منها حتى في المعارضة لكن من خلال المعارضة البنيوية  الفاعلة التي تقدم بدائل عملية وموضوعية وتثري الحياة السياسية الأردنية بحق. 

 الأمر الذي يتطلب ان تتحول جموع الشباب الاخواني المثقف والتكنوقراطي إلى النشاط الفكري والإبداعي الذي غيب طويلا لحساب النشاط الحركي والحشد والتعبئة السياسية. وإلا فستبقى شعارات الجماعة كلها حبرا على ورق وللاستهلاك المحلي وربما الإعلامي!!. وسيعود الجدل بين الحركة الإسلامية وهي القوة المسيطرة على الساحة الشعبية وبين الحكومة إلى المربع الأول.

التعليق