نحن والتجربة الالمانية

تم نشره في الثلاثاء 17 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً
  • › مقالات سابقة

    قبل ايام، وفي سلطنة عمان، اتيح لي حضور ندوة عن الحوار العربي- الالماني، اقامها "معهد العلاقات الثقافية الاجنبية" (IFA)، ودارت حول الصور النمطية، والهوية، ودور الاعلام في الميدان المذكور.

    لكن في موازاة الندوة، وتأثرا بأجوائها، بدا لي ان في وسع الالمان أن يلعبوا في المساعدة على "تغيير" العرب دورا لا يستطيع ان يلعبه اي شعب متقدم آخر. كيف ذلك؟

من خلال عرض التاريخ الالماني الحديث للعرب، وجعله في متناولهم على اوسع نطاق ممكن. وما يسهل المهمة، بما تنطوي عليه من ورشة تعريب وترجمة وندوات وغير ذلك، حقيقة ان الالمان لم يستعمروا العالم العربي من قبل. وبهذا المعنى ، فإن الحساسية التي تراود بعض العرب حيال القوتين الاستعماريتين التقليديتين؛ اي بريطانيا وفرنسا، لا تراودهم في اغلب الظن حيال ألمانيا وشعبها.

      والى ذلك، ربما وجدت تلك المهمة ما يسهلها في الموقف النقدي الالماني (والفرنسي) لحرب العراق الاخيرة، خصوصا ان برلين، على عكس باريس، لم تجمعها مؤخرا بواشنطن مواقع مشتركة تخص العرب، كالقرار 1559 الذي نظر اليه بعضنا بحذر غير مبرر! اما في الموضوع الفلسطيني، فما من شك في ان المواقف الاوروبية، وفي عدادها موقف المانيا، حافظت على تمايز مؤكد، ولو متفاوت، عما وقفته وتقفه الولايات المتحدة الاميركية.

       لكن لماذا التاريخ الالماني تحديدا؟ لانه، وفي واقع الامر، ينطوي على عناصر تجعله يشبه بعض تيارات التاريخ العربي الحديث الى ابعد حدود الشبه. فالوحدة الالمانية التي تحققت في عام 1871 بزعامة بسمارك، هي وحدة امارات صغرى منفصلة، صورها القوميون الالمان على انها نتائج عملية تجزيئية تعرضت لها المانيا. وقد عبر عن هذه الرغبة الوحدوية نتاج فكري وشعري، هما بعض ألمع ما ابدعته النزعة الرومنطيقية في مسارها التاريخي المديد.

        اما الوحدة العربية التي لم تتحقق، فأريد لها ان تقوم بين بلدان قيل ان عملية تجزيئية واستعمارية حالت دونها. وقد تتلمذ الكتاب العرب، ممن كان ساطع الحصري ابرزهم، على الرومنطيقيين الالمان، فطوروا فهما للسياسة يستنسخ الفهم الالماني، من حيث اعطاء الاولوية لـ"الامة" على "الدولة"، ولـ"الثقافة"، وخصوصا اللغة، على السياسة.

ولما كانت القومية الالمانية ردا على الثورة الفرنسية، حين غزت امارات المانيا، فقد صعدت الدعوة القومية العربية في مواجهة الاستعمار الغربي، وجمع بين الحركتين عداء مشترك للقيم الليبرالية والحديثة، التي يحملها الفاتح الغريب. هكذا، انتصر في التجربتين ميل الى رمي الطفل (الحداثي والليبرالي) مع الغسيل الوسخ (الاستعماري).

        وقد تزعمت حركة الوحدة الالمانية طبقة "اليونكرز"، المتشكلة من ملاكي الاراضي البروسيين، الذين مثلت المؤسسة العسكرية مسرح تدخلهم في الواقع السياسي. وكان الرعيل الاول من رجالات الحركة القومية العربية، الذين احاطوا بفيصل الاول في سورية، ثم انتقلوا معه الى العراق، ضباطا وملاكين زراعيين كبارا.

        وبعد الحرب العالمية الاولى، والهزيمة المذلة التي نزلت بالالمان وتكرست في معاهدة فرساي الشهيرة، تأدى عن الاحباط واليأس، المصحوبين بالانهيار الاقتصادي، تعاظم في النزعات المتطرفة، جسده الانتصار الانتخابي النازي عام 1933. وفي تأريخ العقود العربية الاخيرة، غالبا ما يشار الى ان توالي المرارات والنكسات والهزائم امام اسرائيل والغرب، هو ما لعب الدور الاهم في تنامي الحركة العسكرية القومية والراديكالية، وفي استيلائها على نبض بعض الدول والمجتمعات العربية، قبل تسليمها الراية الى الحركات الاصولية المتطرفة.

         وتقيم اعداد معتبرة من الالمان اللغويين والاثنيين خارج حدود الدولة الالمانية، اي في روسيا والنمسا واوروبا الوسطى والبلقان، وهذا ما افضى تاريخيا الى نشوء اللبس المعروف بين التحقق القومي الالماني وبين الحروب التوسعية. هكذا، نشأت قومية "البان ألمانية" (GERMANIC-PAN)، التي تخالف القومية الفرنسية بصفتها حركة دستورية، تعادل الولاء للدولة فوق ترابطها الوطني المعين. كذلك، فإن "العرب" هم في عرف كل واحد من البلدان العربية، اولئك الذين يعيشون في البلدان الاخرى. وهو ما ترتب عليه قيام قومية "بان عربية" (ARAB-PAN)، تدور السياسة بموجبها حول كيفية التدخل في تلك البلدان الاخرى: اما تلاعب بها (التجربة السورية- اللبنانية)، او ضم ان امكن (التجربة العراقية- الكويتية).

          وقد عرف الالمان ابكر التجارب الاوروبية في الاصلاح الديني، ونقصد بذلك حركة مارتن لوثر، مطلع القرن السابع عشر. كذلك، استقرت الحروب الدينية على تجربة تعايش ناجحة جدا عاشتها ألمانيا القرن العشرين، بين بروتستانتها (ثلثي السكان) وكاثوليكها (الثلث). وثمة اليوم قناعة متزايدة في العالم العربي، او بعض بيئاته على الاقل، بضرورة الاصلاح الديني من جهة، وضرورة انجاح تجارب التعايش في اكثر من بلد من جهة اخرى.

واخيرا، كان دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية العنصر الذي انهى تلك الحرب لغير مصلحة ألمانيا، وقد حصل ما حصل من تدمير تعرضت له على يد الحلفاء، اعقبه مشروع مارشال، الذي اعاد إنهاضها وإنهاض باقي اوروبا معها. وهذا التعاون مع "العدو"، بل الاستفادة من تقديماته ودعمه، مسألة عربية بامتياز. ويكفي القول، ان كل سيناريوهات الحلول لفلسطين والعراق تنطوي، في لحظتها الاقتصادية، على بند المساعدات الاميركية المحتملة. كذلك، تثير هذه العلاقة في مسارها العام مسألة العقلية، فليس التعاون مع عدو سابق والافادة منه، على ما حصل في ألمانيا واليابان، موضوعا بسيطا او مسلما سلفا به.

لكن يبقى ان معظم ما نجح في المانيا فشل في التحقق عندنا، والمسافة بين التجربتين هي اول ما ينبغي ان يقوله لنا الألمان، وان نستمع بانتباه اليه.

التعليق