تسخين ما قبل الانتخابات اللبنانية

تم نشره في الاثنين 16 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

 

 

على وقع صواريخ جو – أرض الإسرائيلية التي تلقى يومياً على بلدات الخيام والهبارية وكفرشوبا، وغيرها من مناطق الجنوب اللبناني، المواجهة لمزارع شبعا المحتلة، وردود حزب الله عليها بقصف مواقع الاحتلال، يستمر التسخين على الجبهتين الداخلية والخارجية اللبنانيتين قبيل الانتخابات النيابية التي لم يعد يفصلنا عنها سوى بضعة أيام.

التسخين الذي تمارسه اسرائيل واضح الأهداف، ولا يحتاج إلى تحليل .. ببساطة، انه يهدف إلى زعزعة الوضع اللبناني الداخلي إثر انسحاب الجيش السوري، وقبيل الانتخابات، للضغط على الأطراف المحلية والمجتمع الدولي لتنفيذ ما تبقى من بنود القرار 1559، والمقصود طبعاً سحب سلاح حزب الله، وتحجيم وجوده العسكري والسياسي.

لكنّ التصعيد الإسرائيلي في هذه الآونة بالذات، سيعطي مردوداً عكسياً، إذ إنه سيقوّي على الأغلب من موقف حزب الله، الذي يؤكد انه يتمسك بسلاحه للدفاع عن أرض لبنان، ازاء الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، ولتحرير مزارع شبعا المحتلة.  

اما التسخين في الداخل، فهو يتمّ على نار الخلافات التي شقت المعارضة، بعد أن تحقق ما دعت اليه، من انسحاب الجيش السوري، وإقالة المسؤولين الأمنيين، وتشكيل لجنة دولية للتحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري. فقد تفرّقت المعارضة بعد أن خاضت ما أسمته بـ"انتفاضة الاستقلال"، لأن لكل من أطرافها "أجندته" ومصالحه الخاصة الضيقة، ولأنها لم تبلور في الأصل تحالفاً وثيقاً، بل تشكلت بعيد عودة الرئيس لحّود الى موقعه الرئاسي، من قوى وأطراف طائفية وسياسية متباينة الرؤى والأهداف والبرامج، ولم تشكل إطاراً دائماً، غير اللقاءات الموسّعة التي جمعتها، وظلت دون برنامج واضح متفق عليه. لذلك، فإنها حرّكت الشارع بشعارات دغدغت العواطف الوطنية والطائفية، لدى اعداد كبيرة من اللبنانيين، التوّاقين إلى تغيير الظروف السياسية والمعيشية الخانقة، لكنّها لم تستطع أن تتماسك في ظل المعطيات الجديدة، فانفرط عقدها.

ووصل الأمر ببعضها الى التراشق باتهامات مسفـّة، أحدثت بينها شرخا يصعب رأبه. هذا اضافة إلى تشكيل تكتلات وتحالفات جديدة غير متوقعة، أبرزها (والتي ما زالت قيد التشكل) هو الذي يمكن أن يجمع بين وليد جنــبلاط، رئيس اللقاء الديموقراطي، وتيار المستقبل (الحريري) وحزب الله، والأخير يجري من جهة أخرى، حواراً مع التيار الوطني الحر (ميشيل عون)، ولا يعرف ما يمكن أن يسفر عنه. وبات من الصعب معرفة مَـن مع مَـن، ومَــن ضد مَـن، بعد أن تغيّرت المواقف والمواقع، فأصبح حليف الأمس خصم اليوم، والعكس صحيح.

في هذا الوضع المختلط، تبرز الروح والحسابات الطائفية، وادانة الطائفية بلغة طائفية، وتنشد بعض الأصوات – وإن كانت مبحوحة حتى الآن- النغمة القديمة التي برزت في أربعينات القرن الماضي، ونادت بلبنان وطناً قومياً لمسيحيي الشرق، في الوقت الذي كان اليهود فيه يعملون من أجل "وطن قومي" لهم في فلسطين، بينما يهمس البعض بالانفكاك عن المحيط العربي، بما يخدم الاجندة الأميركية في لبنان والوطن العربي، ويعزز من مشروعها الفاشل حتى الآن، والمسمّى "الشرق الأوسط الكبير".

لقد بات من المرجح إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها، وفقا للقانون الانتخابي للعام 2000، الذي يحظى برفض شبه اجماعي من المعارضة والموالاة على السواء، لكنّه يظلّ أفضل من قانون القضاء، الذي يغلّب الاعتبارات الخاصة على الاعتبارات الوطنية العامة. ولعلّ مطالبة المعارضة، قبل تفتتها، باجراء الانتخابات في موعدها، واتّهام الحكم بأنه يسعى الى التأجيل، إضافة إلى الضغوط والتدخلات الأميركية والفرنسية المتواصلة من اجل اجراء الانتخابات، ثم الانتقال الى الاستحقاقات القادمة، من سحب لسلاح حزب الله، والتفرّغ لتغيير الأوضاع في سورية، كل ذلك هو الذي أدى إلى هذه النتيجة المربكة. إذ لا يمكن لأي كان أن يتنبأ بما ستؤول اليه الانتخابات، لكنّ المؤكد هو أن نتيجتها رهن بالصيغة النهائية لخارطة التكتّلات والتحالفات الطائفية والسياسية التي ستتبلور في الأيام المعدودة القادمة، فلا ضمانة لوعي الناخب في غياب إرادة شعبية غير طائفية.

كاتب وباحث أردني

[email protected]   

التعليق