تسونامي وسائق التاكسي!

تم نشره في الجمعة 13 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

     ليس ممكناً حتى الآن، الحكم حول ما إذا كان ما تشهده الساحة السياسية اللبنانية من خلافات وملاسنات ووعيد متبادل يمثل ظاهرة صحية؛ أي ديمقراطية، أو أنه مقدمة لأمر خطير لا تحمد عقباه. خاصة وأن التحالفات والصداقات ليست ثابتة أبداً، ولا يمكن استخدامها، بالتالي، لتوقع المآل الذي ستنتهي إليه العملية الانتخابية القادمة، أو العملية السياسية برمتها.

والأخطر في الموضوع، أن يعود الانقسام في لبنان إلى الأساس الطائفي، بعد أن تبين أن معظم اللبنانيين تجاوزوه خلال الشهور التي تلت اغتيال الرئيس الحريري. فالواقع أن شيئاً من هذا القبيل يمكن لمسه من الموقف بشأن قانون الانتخاب؛ إذ يتمايز المنقسمون على قاعدة: مسلم/ مسيحي، بينما تغيب المذاهب في هذين الجزئين الكبيرين.

    في هذا الإطار يمكن بحث الخلاف العلني الدائر بين ميشيل عون، وبالتالي تياره العريض، من جهة، ووليد جنبلاط من جهة ثانية. فالمثير في الأمر أن المفترض بالطرفين أن يكونا حليفين، استتباعاً لموقفهما من الوجود السوري السابق في لبنان، والذي كان أوصل جنبلاط إلى حد طلب الحماية الدولية خشية تعرضه للاغتيال. فيما كان عون، وللسبب نفسه، يقضي السنوات الطوال في منفاه... كان المفروض أن يتابعا تحالفهما حتى لا يعود الوجود السوري من "الشُباك" بعد أن خرج من الباب، أي بواسطة حلفائه السياسيين اللبنانيين.

ذلك لم يحدث، فوليد جنبلاط يصف الجنرال عون علناً بأنه "تسونامي" قادم إلى لبنان ليخربها، فيما يصفه عون بدوره بأنه كسائق التاكسي، كثير الحركة، ومتقلب المواقف، وليس له صاحب. وهذه الملاسنة، ولأنها علنية، فهي تعني أن ما بين الرجلين لا يمكن إصلاحه أو تجاوزه حتى موعد الانتخابات القادمة، بعد أسابيع قليلة.

     عون ذهب إلى أبعد وأغرب من ذلك. فهو لا يجد حرجاً في التحالف مع حزب الله، حليف سورية الذي لا يمكن أن يتغير، والغرابة ليست في إعلان هكذا نية، وإنما في دافع عون لقول هكذا كلام، لا يمكن أن يكون حقيقياً بينما هو يدير معركة لا يمكن وصفها إلا بالطائفية. وفي هذا السياق يمكن تصنيف التصريحات الخطيرة التي خرج بها مجلس المطارنة الموارنة حول قانون الانتخاب، المحذرة والمتوعدة إذا تحقق ظن المجلس ولم يفز المسيحيون بأكثر من ربع مقاعد المجلس النيابي.

    ما دامت الأمور تتجه لثنائية التلاسن والوعيد من جهة، والتعمية والمجاملات غير الحقيقية من جهة ثانية، فإن الخشية مما هو خطير ستظل حقيقية، لأن "المسرح" معد للانفجار في أية لحظة على الأساس الطائفي، فيما الحرص على مصلحة لبنان، كوطن واحد، لا يبدو أنها تعني أحداً من زعماء الطوائف، ولا تشغلهم لأكثر من ترديدها في كلام التلفزيونات الاستعراضي.

     لبنان سيبقى، إلى حين، بؤرة اهتمام العالم العربي، باعتبار أن ما يحدث فيه سيؤثر على مجمل الحراكات السياسية والاجتماعية في الدول العربية، بما فيها تلك التي لا تزال تشهد ركوداً سياسياً. لذلك، فنحن ملزمون بالمراقبة والمشاهدة والمتابعة، ثم قراءة تفاصيل المشهد وتوقع مجرياته. كما أننا، بالضرورة، سنظل مهتمين "بتشجيع" الخلاف السياسي الصحي، وتمني عدم الانزلاق مجدداً لحرب أهلية دموية. ذلك أن التعايش الأهلي السلمي لو حدث في لبنان واستقر، فإنه سيكون قابلاً للحدوث والاستقرار والاستمرار في أي من البلدان العربية، التي يحتوي معظمها على انقسامات أهلية شبيهة، طائفية أو قومية أو قبلية. فالانقسام الذي في لبنان لا يدانيه أي انقسام داخلي آخر في بلداننا.

التعليق