إذا فازت حماس!

تم نشره في الأربعاء 11 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

     قبل شهور قليلة، وتعليقاً على مطالبة جهات سياسية لبنانية حزب الله بنزع سلاحه، وقف حسن نصر الله، الأمين العام للحزب، يقول ساخراً: يبدو أنهم غير مصدقين أن المقاومة هي التي أجبرت إسرائيل على الهروب من الجنوب، ويظنون أن صحوة ضمير مفاجئة أصابت الإسرائيليين، ودفعتهم لترك الأرض اللبنانية من تلقاء أنفسهم!

    شيء ما في الإطار نفسه يمكن قوله اليوم، تعليقاً على ما ذهب إليه وزير الخارجية الإسرائيلي، حين قال أن إسرائيل ستعيد النظر في مشروعها الانسحاب من غزة إذا ما فازت حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية القادمة، ووصلت إلى السلطة محل حركة فتح "فتح". فإسرائيل تريد أن تسوّق فكرة أنها تنسحب لأنها "دولة" ذات أخلاق عالية، ولأنها كذلك، فهي ستراجع نفسها إذا رأت أن "الإرهاب" سيستفيد من تلك الأخلاق!

     ليس جديداً القول أن الذي أجبر إسرائيل على التفكير بالانسحاب من غزة، هو ما يمثله بقاؤها فيها من خطر عليها، خاصة من جانب المقاومة التي تلاقيها، والتي تمكنت من الضرب في العمق الإسرائيلي، فضلاً عن المستوطنات المزمع إخلاؤها داخل القطاع. فإسرائيل لا تكون صاحبة أخلاق إلا بالقدر الذي تُجبر فيه على تمثيل دور الدولة الخلوقة المتحضرة!

لذلك، فإن فوز حماس بالانتخابات، أي في العملية السياسية، لا علاقة له موضوعياً بمراجعات إسرائيل في الناحية العسكرية. فالذي سيجبر إسرائيل على مراجعة مشروعها هو رؤيتها لما يمكن أن يوفره المشروع من إمكانات جديدة لحماس في جانب المقاومة العسكرية، وهي إمكانات لا تزيد فيها مقاعد المجلس التشريعي شيئاً!

    هذا كله ليس هو المهم، فهو أمر معروف ومكشوف ولا جديد فيه، المهم الآن هو الكيفية التي ستتصرف بها حماس، بشكل خاص، في الانتخابات التشريعية، التي من المتوقع أن تفوز فيها في غزة، على غرار ما حدث في الانتخابات البلدية، وكذلك الكيفية التي ستتعاطى بها مجمل الفصائل الفلسطينية المشاركة في العملية السياسية حالياً، تجاه حماس ومشاركتها في انتخابات المجلس التشريعي.

    الفصائل الفلسطينية، جميعها، وهذا طبيعي، ترى في تنفيذ مشروع الانسحاب من غزة مصلحة وطنية عليا. فإذا كانت حماس ستتجاهل التصريحات الإسرائيلية، وتمضي قدماً في مشاركتها بالانتخابات التشريعية، فإن السؤال هو: كيف سيكون موقف الفصائل الفلسطينية الأخرى من هذه المشاركة، وهي التي كانت رحّبت بها بداية باعتبارها وسيلة لانخراط حماس في العمل الوطني الموحد الذي كانت تعزف عنه، لكونه من منتجات اتفاقية أوسلو؟ أي، هل ستظل تلك الفصائل على موقفها المرحب، وتحافظ على التماسك السياسي للقوى الفلسطينية لصالح إنجاز مشروع الانسحاب فعلاً، أم أن تلك التصريحات الإسرائيلية ستشق الصف الفلسطيني، ما يعني أن يخرج من بين الفلسطينيين من يطالب حماس بمراجعة مسألة مشاركتها، أو حتى حجم تلك المشاركة حفاظاً على "المصلحة الوطنية العليا"؟

    لا يجوز، منطقياً، أن نستبعد هذا الاحتمال الأخير، خاصة وأن من بين تلك الفصائل من سيتضرر فعلياً من مشاركة حماس، لأنها ستقلل من حصته في المقاعد التي يشغلها في المجلس التشريعي، وهذا لا يشمل فقط قوى اليسار التي ينكشف تراجع شعبيتها يوماً بعد آخر، بل أيضاً يشمل فتح نفسها، وهذا أخطر الاحتمالات.

    ما يجب قوله في هذا السياق، ووسط احتمالات كهذه، ان الانتخابات التشريعية مهمة من زاوية تكريسها للتماسك الفلسطيني، وإنهائها حالة "الاجتهاد الفصائلي" في النضال ضد الاحتلال، وبالتالي دفعها مشروع التحرر الوطني الفلسطيني قدماً، لا من زاوية من يفوز فيها. ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن تفرزه الانتخابات هو الاقتتال الفصائلي، كالذي حدث، أو كاد أن يحدث، عقب الانتخابات البلدية الأخيرة.

    ولهذا، فإن الفلسطينيين اليوم، وبالنظر إلى اتجاهات إسرائيل من مشروع الانسحاب، هم أمام امتحان جديد، سينجحون فيه إذا لم تنجح تصريحات شالوم في شقهم، فهل ينجحون، كالعادة، أم لا؟!

التعليق