هل انتهى عصر القمار الصهيوني؟!

تم نشره في الثلاثاء 10 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

     من يعرف جيدا منطق الخطاب الإسرائيلي أو الصهيوني، يدرك أن عليه الحذر والقراءة على أكثر من مستوى. فهناك التلاعب باللغة، للإيحاء بواقع غير صحيح، أو استخدام كلمات لا تعبر فعلا عما تصفه، وأخيرا السكوت عما قد يبعث على الإدانة. وكثيرا ما يثير هذا كله الاشمئزاز، وخاصة إذا جاء من طرف يعتبر "صديقا" للفلسطينيين، و"نصيرا" لقضيتهم، وهذه هي المهزلة!

      أوري أفنيري، الناشط الإسرائيلي ومؤسس "كتلة السلام" الإسرائيلية، يكتب ليعطينا الصورة الحقيقية لوضع "المستوطنين"، الذين هم على وشك الخروج من قطاع غزة، ويوضح أن تجربة هؤلاء هي نزهة، بالمقارنة مع تجربة عائلته التي جاءت عام 1933 من ألمانيا إلى فلسطين. فما يمر به "المستوطنون" ليس اقتلاعا من أرضهم كما يدعون، ولن يرسلوا إلى "أراض جرداء تقع خلف جبال الظلام"، والأمر لا يزيد عن الانتقال إلى مكان قريب جدا. فالمسافة بين "غانيم" والعفولة هي كتلك بين مانهاتن وكوينز في نيويورك، فلماذا كل هذا الصراخ والنحيب من جانب "المستوطنين"؟! فمن قامر على أمواله وخسر، لا يستحق الشفقة أو التعويض، لكن أفنيري، ولأسباب إنسانية، يتفهم ردود فعل "المستوطنين"، ويؤيد تعويضهم! 

       هذا هو فحوى مقال نشر مؤخرا تحت عنوان "مستوطنو غزة قامروا في أرض محتلة .. وهم لا يستحقون الشفقة"، ولكن ماذا عن التفاصيل؟ يبدأ أفنيري بالقول: "لنفترض أن غوش قطيف هي بالفعل جزء من أرض إسرائيل (هذا أمر قابل للنقاش)، فإن الأماكن التي يطلب من المستوطنين الانتقال إليها تابعة لأرض إسرائيل"، وأن "أشكيلون" (عسقلان) وتل أبيب و"أشدود" (إسدود) هي مدن إسرائيلية. ويضيف أيضا، أن "الجليل والنقب، على اتساعهما، تدعوانهم إليها، ولا يوجد ما يعبر عن أرض إسرائيل أكثر منهما"!

        يفترض أفنيري أن "غوش قطيف" قابلة للنقاش، وقد تكون جزءا من "أرض إسرائيل"، بالرغم من أنه يكرر باستمرار أن غزة والضفة الغربية هي أراض محتلة. فهل "أرض إسرائيل" هي ذلك المفهوم الأسطوري المستمد من التوراة، بصرف النظر عن مطابقته لأرض فلسطين الفعلية، أو فلسطين التاريخية، أو أي جزء منها؟ أم أن "أرض إسرائيل" هو مفهوم سياسي، جاء نتيجة تقسيم المنطقة مع الحرب العالمية الأولى، ابتداء بوعد بلفور وانتهاء بحرب العام 1967؟ ولو "نوقش" موضوع "غوش قطيف" بالشكل الكافي، لربما أصبحت هذه المستعمرة في "أرض إسرائيل"، كما "نوقش" من قبل موضوع "مستوطنات" في الضفة الغربية كـ "أرييل" أو "غوش عتصيون"، وأصبحت داخل السور الذي تبنيه إسرائيل على أراض فلسطينية في الضفة الغربية.

         في موضع آخر من المقال نقرأ: "كل مستوطن، بدون استثناء، يعرف أنه انتقل إلى منطقة احتلت بالحرب، يعيش فيها شعب آخر، وأنها لم تضم إلى إسرائيل (بخلاف منطقة القدس وهضبة الجولان) بما معناه: أنه راهن على مستقبله". هذا "المستوطن"، الذي خاطر بمستقبله عندما ذهب و"استوطن" في أراض محتلة، لم يحسب حساباته بدقة، فلو كان متعقلا لـ"استوطن" في الجولان أو القدس، فهذه الأراضي لم تعد محتلة، لمجرد أن إسرائيل قد ضمتها إليها! ها هو أفنيري، نصير القضية الفلسطينية وقضايا العرب، يتبنى هنا الموقف الإسرائيلي الرسمي، ولا يوجد في مقاله ما يدين حكومته، التي دمرت في محيط القدس والجولان عشرات القرى، وطردت منها سكانها الفلسطينيين والسوريين، وابتدعت "القدس الكبرى" لتبني فيها طوقا من المستعمرات حول القدس العربية.    

         يشير أفنيري إلى "اقتلاع 750 ألف فلسطيني كانوا يسكنون على أراضيهم منذ مئات أو آلاف السنين". وبالرغم من موقف يساند ظاهريا الفلسطينيين، فإن أفنيري يتلاعب بالتاريخ الحضاري الفلسطيني من خلال اللغة، فـ "أو" التي أضافها بين "مئات" و"آلاف" همشت من العلاقة المتجذرة للفلسطينيين بالأرض، هذه العلاقة التي تعود إلى أكثر من عشرة آلاف سنة، في حين يعود تاريخ الإنسان القديم في فلسطين إلى عشرات الآلاف لا بل مئات الآلاف من السنين. ويذكر أفنيري اقتلاع الفلسطينيين بشكل مطلق، ولكنه عمليا يقصد العام 1948. يقترب رقم أفنيري من تقدير "لجنة توفيق فلسطين"، وهو 766 ألفا، أو وزارة الخارجية البريطانية، وهو 600 إلى 670 ألفا. وعلى الأغلب، فإن أفنيري كان يحب لو أعطى الرقم الإسرائيلي الرسمي، وهو 520 إلى 530 ألفا، ولكنه أهمل هذا الرقم المنخفض بعدما كشف الإسرائيلي بيني موريس (1987) عن إحدى وثائق "المحفوظات الصهيونية المركزية"، والتي تشير إلى أن إسرائيل خفضت الرقم عمدا، وذلك لتفادي جحافل اللاجئين الذين لا بد أن تقبل عودتهم يوما ما، في حين اعترفت وثيقة أخرى من "محفوظات دولة إسرائيل" أن الرقم الحقيقي هو قريب من 800 ألف.

      أفنيري لا يهمه الرجوع إلى مصادر كثيرة تفيده بالأرقام الحقيقية للاجئين الفلسطينيين، ومن بينها الأرقام التي أدرجها الباحث الفلسطيني سلمان أبو ستة، وما أوضحه من أن رقم 800 ألف هو أيضا غير دقيق، وأكد أن الرقم قد يصل إلى 935 ألفا، وهو قريب من التقدير الذي قدمته الحكومات العربية إلى الأمم المتحدة في الخمسينيات من القرن الماضي. فلو أخذنا رقم "900 ألف" كنقطة انطلاق، يكون أفنيري قد خصم حوالي 150 ألفا من الفلسطينيين، وهؤلاء قد يشكلون اليوم، مع أولادهم وأحفادهم، حوالي ستمائة ألف فلسطيني ينتظرون العودة إلى وطنهم الأصلي!

      بالرغم من أن أفنيري يقصد العام 1948، إلا أنه لم يذكر هذا التاريخ. وبدون هذا التحديد تصبح الأمور ضبابية وتفقد دلالاتها. فطرد الفلسطينيين لم يقتصر على عام النكبة، بل حصل قبل ذلك، ومنذ بدايات تأسيس المستعمرات اليهودية. ويحاول أفنيري أن يثير الشفقة، عندما يتحدث عن الظروف التي مر بها وعائلته عندما جاؤوا من ألمانيا: "انتزعوا منا أعز الأصدقاء، وبدأوا ببناء حياتهم في بلاد بعيدة، واضطروا إلى الاعتياد على لغة أخرى... طبيعة غريبة، وإقليم مختلف، وثقافة أخرى، ومجتمع مغاير، وعادات مختلفة"... لهجة استعمارية على طول الخط، ولكن هناك أيضا الإيحاء بأنه لن يكون صعبا على الفلسطيني الذي طرد من أرضه أن يعيش حياة جديدة في محيطه الجديد، فالمكان ليس بعيدا، والطبيعة ليست غريبة، والعادات الاجتماعية هي نفسها، ... الخ؟!

       نكبة العام 1948 هي ليست إلا محطة من محطات تشتيت الشعب الفلسطيني، وعمليا تدميره، فمآسي هذا الشعب تعود إلى العام 1882، عندما أسست مستعمرة روشبينا على حساب أراضي الجاعونة التي طرد سكانها منها. والنكبات تتوالى منذ ذلك الحين، وهو ما يتجاهله أفنيري كليا، لأن "مستوطنين" من أمثاله هو وعائلته هم من سبب تلك النكبات. وقبل أعوام، سرد الصحافي الإسرائيلي حاييم غوري ما شاهده بنفسه عام 1929 في وادي الحوارث: "لا أستطيع أن أنسى أولئك البدو والفلاحين المتمسكين بواديهم، حتى بعد قيام الصندوق الوطني اليهودي بشراء قطعة الأرض من أفنديهم. الشاحنات تأتي وتنزع أوتاد الخيم وحبالها.. العنف، والصراخ، والناس وهم يسحبون عنوة بعيدا. نحيب النساء، بكاء الأطفال، وصيحات الاحتجاج". على هذه الأراضي في وادي الحوارث بنيت مستعمرة "كفار فيتكين"، وطرد ألف وخمسمائة من السكان الفلسطينيين.

      خطاب أفنيري لا يختلف عن الكثير مما نسمعه من الأطراف الصهيونية، الرسمية وغير الرسمية، فهو عمليا خطاب فارغ لا ينطوي على أي التزام، حتى أنه ليس موجها إلى "المستوطنين"، بالرغم من أنه يخاطبهم. فالمقال مشبع بالتضليل على أكثر من مستوى، ما يعني أنه يخاطب الجمهور الغربي، وما يريد أفنيري تثبيته هو أن "طاولة القمار" التي يتكلم عنها هي إسرائيلية بالكامل، والمقامرون هم إسرائيليون. أما ما يريد أفنيري قوله فهو أن عصر القمار، كما مارسه جيله من "المستوطنين"، قد ولى، وما ينبغي فعله هو فقط "إسكات الرغبة الجامحة بالقمار"! ونتساءل نحن العرب: هل انتهى فعلا عصر القمار الصهيوني؟ أم أن ما يكتبه أفنيري هدفه هو التغطية على ما يحصل على الأرض؟ وهو الجانب الآخر من سياسة الأمر الواقع؟   

      يقول أفنيري: إن "المستوطنين قد راهنوا وخسروا، كما خسر مليون مستوطن فرنسي في الجزائر، حيث طردوا وعادوا إلى فرنسا خلال عدة أسابيع، بعدما توصلت البلاد إلى استقلالها". بالفعل لا فرق بين "مستوطني" الجزائر و"مستوطني" فلسطين الجدد ... ولكن أيضا القدامى منهم، كأفنيري!

التعليق