قراءة غربية لعودة العنف الديني

تم نشره في الجمعة 6 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

أعاد التفجير المزدوج الذي وقع في قلب القاهرة، ظهيرة السبت الماضي، إلى الواجهة مرة أخرى، ملف الإسلاميين الجدد، سيما وأن معظم التحليلات استنتجت بشكل يقيني تام بأن ثمة جيلا جديدا من الإسلاميين يشق طريقه نحو الصفوف الأمامية، مؤمنا بالقوة فقط طريقا لإسماع صوته. ويبدو من المهم هنا التعرف على القراءة الغربية لهذه العودة.

بالنسبة لبعض المحللين الغربيين، لا سيما الأميركيين منهم، لا تحمل عودة نفر من الإسلاميين إلى تبني العنف سبيلا مفاجئة كثيراً. ففي دراسته القيمة عن الإسلاميين والديمقراطية، ضمن كتاب "تنمية الديمقراطية في الشرق الأوسط" (Uncharted Journey)، تنبأ جراهام فوللر، النائب السابق لرئيس مجلس المخابرات القومي بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، بأنه على الرغم من أن جماعات العنف التقليدية، مثل الجماعة الإسلامية والجهاد في مصر، قد أعلنتا الامتناع عن اللجوء إلى العنف، وحافظوا على التعهد الذي أطلقوه منذ العام 1997، وأنهم أدركوا أنه ليس بالإمكان إلحاق الهزيمة بالدولة، وبما يؤكد أن هذا التحول الجذري قد تم عن قناعة حقيقية لدى بعض الإسلاميين، برغم ذلك، فإن التوترات السياسية الكبيرة في دولة مثل مصر، والاستقطاب الإقليمي الحاد، وانتشار أعمال العنف التي طالت معظم دول المنطقة، والتآكل الهائل في شرعية معظم النظم الأوتوقراطية بالمنطقة، كلها عوامل اعتبر فوللر أنها مرشحة لأن تزيد من احتمال قيام بعض من بقايا الحركات الإسلامية باللجوء إلى العنف مرة أخرى، كوسيلة لمقاومة الدولة، لا سيما إذا ما أظهرت الأخيرة علامات ضعف، على النحو الذي بدا واضحا في الفترة الأخيرة.

وربما نضيف عاملا آخر، أشار إليه العديد من الإسلاميين المحسوبين على التيارات المعتدلة في الحركة السياسية الإسلامية، وهو أنه كانت أمام الدولة المصرية فرصة ذهبية لامتصاص الاحتقان الحاصل من جراء السياسة الأمنية في التعاطي مع ملف الإسلاميين، وغيرهم من المعارضين السياسيين، وذلك بالسماح للإسلاميين الذين أمتنعوا طواعية عن استخدام العنف، بتشكيل أحزاب أو منابر، يستطيعون من خلالها تقديم رؤية سلمية للتغيير. لكن السلطة استمرت في حملات الدهم والاعتقالات والتضييق، وكأنها تقول إن الكل سواسية، سواء امتهنوا العنف أو آمنوا بالتغيير السلمي.

ومثل معظم المحللين، يرى فوللر أنه إذا كانت الدولة قد انتصرت على الحركات العنفية قبل الحادي عشر من أيلول، فإن التاريخ الذي اعقب الهجمات فتح الباب مجددا امام تبني بعض الإسلاميين العنف. وعلى حد تعبير فوللر، فإن حرب الرئيس بوش على الإرهاب، وفصول العنف الأميركي المستمر في العراق، كلها عوامل أدت إلى إعادة إحياء الحركات العنفية، التي قررت الانخراط في نضال مسلح ضد الوجود الأميركي في الشرق الأوسط. فمثلما أن بوش قرر شن حرب ضد عدو مجهول الاسم والهوية كالإرهاب، يشن هؤلاء حربهم ضد أي أجنبي على الأرض، مثلما كان الحال مع ضرب السياح والباصات السياحية.

ورغم أن معظم الجماعات الإسلامية قد وصلت، قبل الحادي عشر من أيلول، إلى قناعة بعدم جدوى العنف، إلا انه بعد ذلك، ونتيجة تزايد الأصولية كرد فعل لما حصل، عاد النقاش حول جدوى استخدام العنف، لإسماع الصوت من عدمه، إلى الواجهة، ولا يمكن التنبؤ بالتأثير الذي يمكن أن يحدثه النقاش على تطور تلك الجماعات. ويعتبر فوللر، كغيره من المحللين، بأن إحدى أهم الأزمات التى تواجه الحركة الإسلامية هي الاختيار ما بين الإنخراط في لعبة السياسة أو اللجوء إلى العنف. لكن يبدو أن الأمر ليس بهذه البساطة، فهناك جماعات إسلامية حسمت خياراتها بشكل لا جدال فيه حيال هذا الأمر، ومنها جماعة الإخوان المسلمين، حتى ان العنف أصبح بمثابة خط أحمر لا يمكن الاقتراب منه، وتاريخ الحركة الحديث يدل على ذلك. في المقابل، فإن خطورة الجيل الجديد من المنتسبين إلى الحركة الإسلامية تتمثل في عدم وجود تاريخ نضالي لهم، وهم غير معروفين حتى داخل دوائر الإسلاميين أنفسهم؛ فلا تعرف لهم أصولا ولا أسماء ولا قادة حركيين، ولا حتى مراجع روحيين يمكن الإشارة إليهم، والتعرف من خلالهم على بوصلة التفكير لدى هؤلاء الإسلاميين الجدد.

ثمة إجماع غربي على أن أحد أهم عوامل التعاطي الصحيح مع الظاهرة الإسلامية هي بإدماجها بالعملية السياسية القائمة. وبطبيعة الحال، تأتي هذه الرؤية الغربية عن تحول في التفكير حيال الإسلاميين. فبعد أن كان الهاجس أمنيا (ولا زال في معظمه كذلك)، يبدو أن التعاون المخابراتي الغربي-العربي لاحتواء الظاهرة لم يجد نفعا، بحيث أدرك الغرب، وإن متأخرا، أن علاج الظاهرة يكون سياسيا، وأن بعضا من هذه الحركات له من الشرعية الشعبية ما يفوق الحكومات نفسها. ومن ثم، بدأت تتسرب التقارير عن نية الاتحاد الأوروبي بناء جسور مع الحركات الإسلامية في المنطقة.

وفي دراسة أجرتها مجموعة الأزمات الدولية بعنوان "فهم الإسلاميين"، تم توجيه الانتقاد إلى صناع السياسة الغربيين، الذين قاموا بوضع كل الإسلاميين في ذات السلة، وتعاملوا معهم بشكل عدواني. وخلصت الدراسة إلي أن الغرب بحاجة لاستراتجية تفرقة، تأخذ بالاعتبار التنوع الحاصل داخل حركة الإسلام السياسي، وأنه حتى أكثر الحركات اعتدالا في التيار الإسلامي، هم معارضون للسياسيات الأميركية، غير أنهم ملتزمون بالتفاوض والنقاش مع الغرب. وأن على هذا الأخير أيضا أن يفهم بأن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، واحتلال العراق، والطريقة التي تدار بها الحرب على الإرهاب، كلها تزيد من حدة "التيارات الجهادية" على حساب التيارات المعتدلة.

هناك نظرة غربية تقليدية لحركات المعارضة الإسلامية باعتبارها محاولات للتوفيق بين التقليد والحداثة، وهي نظرة تأخذ في الاعتبار أن الناشطين الإسلاميين يهتمون في معارضتهم  بموضوع سوء الحكم، والعدالة الاجتماعية، كما أنهم يهتمون أكثر بقضية الإصلاح السياسي. وتتحدث الدراسة عن أن ثمة محاولات دؤوبة من قبل أوروبا والولايات المتحدة من أجل الدخول،  بل والتأثير، على النقاش داخل المجتمعات الإسلامية، حول الدور الذي ينبغي أن يلعبه الدين في الفضاء العام والسياسي. غير أن الدراسة تحذر من أن السياسات الغربية في المنطقة هي إحدى العوامل التي من شأنها أن تؤثر على الشكل الذي تتخذه هذه الحركات الإسلامية. وتضيف بأنه إذا استمر الغرب في اتباع منهج قاطع لا يفرق بين المعتدلين والأصوليين، فإن صناع السياسة الأوروبيين والأميركيين يغامرون باستثارة إحدى النتائج غير المقبولة، وهي التقاء التيارات الإسلامية الناشطة معا، رغم اختلافاتها، وبما يجهض، بالتالي، فرصة أن تتطور التيارات الأكثر اعتدالا، أو أن تتراجع التيارات المعتدلة غير العنيفة تاركة المجال للتيارات الجهادية.

تلك كانت إحدى نتائج الدراسة عن الإسلاميين. ورغم أنه مازال من المبكر إصدار حكم نهائي بأن حادثة الأزهر هي مؤشر إلى عودة العنف الديني، إلا أن مناخات الاحتقان في المنطقة، والتي اعتبرها معظم المحللين من العوامل الأساسية لوقوع التفجيرات، لا تنبئ بخير!.

التعليق