تركيا.. النموذج الإسلامي المعتدل

تم نشره في الجمعة 6 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

    لم يعتمر رجب طيب إردوغان، رئيس الوزراء التركي ورئيس حزب العدالة والتنمية، القبعة اليهودية السوداء عند دخوله إلى "يادفاشيم"، متحف الهولوكوست اليهودي المقام في تل أبيب، وكان من شأن ذلك أن يسبب أزمة ديبلوماسية وإحراجاً للرئيس الاسرائيلي موشيه كاتساف، الذي يرافقه. فإردوغان من أهل العمامة، وقد سبق للعمامة أن هزمت القبعة التركية الموروثة عن العهد الأتاتوركي، بعد ان كان أتاتورك، ذئب الأناضول، قد اختار السير في طريق الحداثة الأوروبية، ملقياً بالرأسمال الرمزي للشعب التركي المسلم على قارعة طريق الحداثة. فمن شأن ارتداء إردوغان للقبعة اليهودية أن يصرف أنظار الكثيرين من ناخبيه عنه، خاصة وأن الشارع التركي المسلم يتعاطف كلياً مع الشعب الفلسطيني وهو يواجه إرهاب الدولة الإسرائيلية، الذي سبق لإردوغان أن هاجمه علناً، مما سبب، في حينها، أزمة سوء تفاهم، مازالت تلقي بظلالها على العلاقات التركية-الإسرائيلية، وولدت الكثير من الشكوك والجفاء، الذي طبع هذه العلاقة مع مجيء حزب العدالة و التنمية إلى السلطة. فقد خرج طيب إردوغان عن المسكوت عنه، وانتقد علناً، وهذا ما لم يجرؤ عليه غيره، سلوك إسرائيل العبرية وإرهابها، وهو ما لم يغفر له، حتى وإن تجاهله أرئيل شارون أثناء استقباله!

   وقد سبق لإردوغان أن ذهب أبعد من هذا، عندما حرّض البرلمان التركي على عدم السماح للقوات الأميركية باستخدام الأراضي التركية في هجومها على العراق في العام 2003، واحتلالها له، وهو الموقف الذي ثمنته الجماهير العربية.

لا أحد يشك بشجاعة رجب طيب أردوغان. فتاريخه الشخصي يشهد على نزعته النقدية والاحتجاجية، وعلى قوله دائماً لكلمة الحق. لكن كلمة الحق قد لا تقال دائماً في وجه الراعي الأميركي، الذي يسوق العالم بعصاه، ويرقب بحذر كل تلك الضالين أو الخارجين على القطيع ، حتى التي تخرج في وجه طفله المدلل إسرائيل.

صحيح أن حزب العدالة والتنمية بقيادة إردوغان، استطاع أن يضمن ولاء المؤسسة العسكرية في تركيا، حارسة العلمانية والإرث الأتاتوركي، لكن هذا الولاء ليس مضموناً إلى الأبد، وتستطيع الولايات المتحدة أن تستقطب أركان هذه المؤسسة باتجاه خيارات أخرى، ليست بالتأكيد لصالح إردوغان أو حزب العدالة والتنمية. أضف إلى ذلك أن التيار القومي التركي، والأحزاب العلمانية الضعيفة الآن في تركيا، والتي تراجعت في الانتخابات الأخيرة مما أتى بحزب العدالة والتنمية، تنتظر الفرصة لمزيد من الأخطاء التي قد يرتكبها الأخير، وبخاصة فيما يتعلق بالثابت الاستراتيجي، والمقصود هو العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي تنبه له إردوغان وحزبه، مما يفسر حراكه السياسي على صعد عدة.

   فعلى الصعيد الأول، يضمن إردوغان بزيارته لإسرائيل ولمتحف يادفاشيم، عدة أمور؛ أولها الاعتراف بالهولوكوست اليهودي عما عداه، وأقول عما عداه، لأن اللوبي الأرمني في الولايات المتحدة الأميركية، وفي الدياسبورا الأرمنية في جميع أنحاء العالم، يمارس مزيداً من الضغوط على تركيا لكي تعترف بالهولوكوست الأرمني، من هنا نفسر زيارة أردوغان لمتحف يادفاشيم. فقد أنكر اللوبي اليهودي، في جميع أنحاء العالم، وجود هولوكوست آخر في العالم، و كان يقف باستمرار حاجزاً دون ذلك، لأن فرادة الهولوكوست اليهودي تضفي على أصحابها فرادة معينة. إذ لا يعقل، كما يعلق نورمان فنكلستين، صاحب الكتاب المهم "صناعة الهولوكوست" أن يساوى دم غجري أو أرمني بدم يهودي. أما الأمر الثاني، فهو الحصول على الدعم الاسرائيلي بإقامة علاقات عسكرية، قيل إنها تتعلق بتحديث طائرات فانتوم الأميركية الصنع، وعلاقات تجارية. وهذا ما يفسر العدد الهائل لأعضاء الوفد المرافق لإردوغان، والذي قيل إنه يقارب المائة.

و يتمثل الأمر الثالث في التطلع إلى لعب دور الوساطة بين الفلسطينيين و الإسرائيليين، ودور الوساطة بين السوريين والإسرائيليين، خاصة بعد زيارة الرئيس التركي، أحمد نجدت سيزر، إلى دمشق في أوائل آذار المنصرم.

   وعلى الصعيد الثاني، فإن طيب إردوغان ينوي زيارة الولايات المتحدة الأميركية في الأول من حزيران المقبل، وهذا ما يفسر قوله "إن العلاقات الأميركية التركية ستصبح أكثر قوة، وهي إحدى الركائز الأساسية في السياسة الخارجية"، وأضاف أن "تركيا لن تنسى الدعم الأميركي لها بشأن عضويتها في الاتحاد الأوروبي، ومشاريع الطاقة في قزوين، والحرب على الإرهاب". و لم يفوته الثناء على الإدارة الأميركية الحالية بسبب موقفها الثابت من الحرب على الإرهاب، وبخاصة من قبل حزب العمال الكردستاني، بقيادة عبد الله أوجلان، الذي يحتجز في السجون التركية، وما زال يثير الكثير من القلاقل في تركيا مطالباً بالانفصال، كما عبرت عن ذلك بعض التظاهرات التي حدثت في القسم الشرقي من تركيا، بمناسبة عيد " النوروز"، عندما قام بعض أتباع أوجلان برفع العلم الكردستاني هناك. أضف إلى ذلك موقف أميركا الثابت، حتى الآن، مما سمّاها إردوغان "المزاعم الأرمنية" حول الإبادة، والتي تجاهلها الرئيس الأميركي في خطابه في الرابع والعشرين من نيسان المنصرم، وتتجاهلها بعنف، النخب الأميركية، وفي مقدمتها المستشرق العمدة برنارد لويس، الذي ما زال مصراً على إنكار الهولوكوست الأرمني.

   إذن، فطيب إردوغان، بحسه البراجماتي، يسعى لأن يضرب عصفورين بحجر؛ من خلال زيارة إسرائيل ومن بعدها أميركا. وهو بهذا ينجح في تلميع وتحسين صورته وصورة حزبه، بعد أن قيل أن أميركا ترى في الإسلام المعتدل بديلاً وحليفاً لها. والسؤال: من هو أكثر من إردوغان وحزبه مؤهل لأن يكون بمثابة البديل والحليف لأميركا، وللعب دور إقليمي في الشرق الأوسط الكبير؟ هذا ما يطمح إليه إردوغان، وما قد يتحقق، وليس علينا سوى الانتظار.

التعليق