توقعات فيليب حبيب في يوم تاريخي

تم نشره في الخميس 28 نيسان / أبريل 2005. 02:00 صباحاً

 كان ذلك في بداية تشرين الثاني 1984، في أثناء زيارة لواشنطن بمناسبة انتخابات الرئاسة الاميركية، وكانت المنافسة وقتذاك بين رونالد ريغان، الساعي الى ولاية ثانية واخيرة وقد نجح في ذلك من جهة، وبين ولتر مونديل من جهة اخرى. على هامش الزيارة، حصل لقاء مع فيليب حبيب في منزل صديق لبناني اسمه روجيه اده.

تحدث فيليب حبيب، الذي اشرف، بصفته ممثلاً للرئيس رونالد ريغان، على خروج القوات الفلسطينية من لبنان صيف العام 1982، وكان وراء الترتيبات التي رافقت العملية، تحدث عن السياسة الاميركية في الشرق الأوسط، وعن أسباب الفشل الذي منيت به. كان يتحدث بصوت عال، وهو اسلوب يستخدمه لاضفاء جو من الرهبة على الجلسة وعلى الجالسين الى جانبه، علماً بأن الرجل بطبيعته دمث جداً، ويفضل المزاح على الجدية عندما لا يكون في مفاوضات رسمية. لكن تبدل الجو عندما راح فيليب حبيب يتحدث عن لبنان مدافعاً عن مواقفه، وعن سياسات الإدارة الاميركية، رافضاً تحميلها اي مسؤولية عما حل بالبلد، وكان يحتد اكثر كلما طرح عليه اي سؤال يشتم منه انتقاداً لتلك الإدارة. فجأة، خفت صوت فيليب حبيب، خصوصاً بعدما تبين له انه لن يستطيع اقناع احد بالسياسة الاميركية تجاه لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي للبلد، اضافة الى ان الصراخ لا يفيد في شيء.

وبعدما استعاد المبعوث السابق للرئيس الاميركي الى لبنان وضعه الطبيعي، راح يداعب الحضور الى ان عاد احدهم وسأله: الا تعتقد ان لبنان في وضع اسوأ من السابق بعد الاجتياح الإسرائيلي، خصوصاً ان مسألة خروج الجيش السوري من اراضيه لم تعد مطروحة؟ هذه المرة استعاد فيليب حبيب جديته، لكنه لم يرفع صوته، وقال بهدوء: "من كان يتصور ان المسلحين الفلسطينيين سيخرجون من لبنان يوماً؟ لقد خرجوا. وكما خرج الفلسطينيون المسلحون، سيخرج الجيش السوري يوماً". بهذه العبارة ختم فيليب حبيب الجلسة، ليقول بعدها: "سنتوجه من هنا الى مطعم ياباني حيث لا سياسة ولا حديث في السياسة".

كان لا بد من الانتظار واحدا وعشرين عاماً كي يتحقق توقع فيليب حبيب، الذي احب لبنان بالفعل، وتذكر باستمرار انه من بلدة قريبة من صيدا، وقضى نحبه اثناء عطلة في جنوب فرنسا صيف العام 1992، عن 72 عاماً، امضى معظمها في الديبلوماسية الاميركية. ما يشهده حالياً لبنان ـ حيث حصل وداع رسمي للعميد رستم غزالة مسؤول الاستخبارات  السورية، والذي نصح تيري رود لارسن الرئيس بشار الأسد بأن يكون اول عسكري ينسحب من لبنان وليس الأخير ـ حدث تاريخي بكل معنى الكلمة. انه حدث في حجم انسحاب العناصر التابعة للمنظمات الفلسطينية من البلد، والتي عاد بعضها وتسلل اليه عبر الحدود السورية بمباركة من دمشق. انها عملية اعادة خلط للأوراق على الصعيد الاقليمي، وهي عملية تفرض على سورية اعادة حساباتها، والنظر الى ما قامت به من زاوية ايجابية، بعيداً عن اي تفكير في الانتقام، اذا كان النظام السوري يريد الخير والاستقرار لسورية ولبنان. وبكلام اوضح، ان ما حصل يجب ان يدفع بالنظام السوري الى التفكير جدياً في الأزمة التي يعاني منها، ذلك انه لولا هذه الازمة لكان اعاد تنظيم اوضاعه في لبنان ومع لبنان بطريقة مختلفة.

فقد كان هذا النظام في غنى عن ان يكون في موضع المتهم مباشرة في اغتيال رفيق الحريري، وذلك على الرغم من انه ليس في الامكان توجيه التهمة اليه رسمياً. وكان هذا النظام في غنى عن حلفائه اللبنانيين، الذين يصلحون لكل شيء باستثناء ان يكونوا حلفاء، بدليل انهم جعلوه يعيش على الأوهام، نظرا الى انه ليس في استطاعة اي من هؤلاء ان يقول له الحقيقة التي يجب ان يسمعها. والحقيقة التي يفترض في النظام السوري ان يسمعها، بدءاً بالرئيس بشار الأسد وانتهاء بآخر ضابط في الاجهزة، هي ان الخيار كان واضحاً بين التعاطي مع فريقين من اللبنانيين؛ الفريق الذي لا يريد سوى النجاح لسورية ولبنان، والفريق الذي يريد جر البلدين الى الخلف، وتحويلهما الى بلدين معزولين. بكل صراحة فإن الفشل السوري، الذي لا بد ان تكون له انعكاسات على النظام، هو قبل كل شيء فشل في الاستفادة من اللبنانيين الذين كان لديهم ما يقدمونه للبنان وسورية، وعلى رأس هؤلاء الشهيد رفيق الحريري، ووليد جنبلاط، وحسين الحسيني، ونسيب لحود وغيرهم، من الذين يكنون الود لسورية حقيقة. وللأسف الشديد جاء الخيار السوري لمصلحة لبنانيين آخرين، لا يريدون الخير لا لسورية ولا للبنان.

تلك كانت الخطيئة السورية في السنوات الأخيرة، وهي خطيئة لا تعفي اللبنانيين من تحمل مسؤولياتهم في المرحلة المقبلة، وهي مسؤوليات تبدأ بعدم الوقوع في فخ عدم فهم معنى الحدث وابعاده، والاعتقاد في الوقت ذاته انه يمكن اعادة عقارب الساعة الى خلف.

 ان اللبنانيين مطالبون اكثر من اي وقت، بأن يعوا ان الانسحاب السوري ما كان ليحصل لولا الدعم الدولي الذي يحظى به البلد من جهة، ولولا وحدة اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، من جهة اخرى. والأكيد انه لولا هذه الوحدة لكانت سورية ما زالت تماطل، لأن سورية لم تعِ ان من ادخلها الى لبنان قرر ان يخرجها منه.

اميركا ادخلتها واميركا اخرجتها والباقي تفاصيل. ولذلك على اللبنانيين، خصوصاً المسيحيين، من امثال العماد ميشال عون وانصار الدكتور سمير جعجع ان يعوا هذا الواقع والا يسكروا بزبيبه. بل على العكس من ذلك، عليهم ان يظهروا اخيراً انهم نضجوا سياسياً، وأنهم قادرون على استيعاب المعطيات الجديدة في البلد والعالم، وان يكون رهانهم الوحيد على لبنان الموحد الذي يتساوى فيه كل مواطنيه امام القانون، بعيداً عن اي نوع من الشوفينية والكلام الفارغ!

التعليق