مقاطعة إسرائيل أكاديمياً

تم نشره في الخميس 28 نيسان / أبريل 2005. 02:00 صباحاً

     على صدر الصفحة الرئيسية لموقع اتحاد أساتذة الجامعات البريطانية (إيه يو تي)  جاء النبأ ضئيلا ومتواريا، وليس بحجم الضجة التي أثارها ومازال منذ صدوره. فقد "قرر الاتحاد مقاطعة جامعتي حيفا وبار إيلان، وسوف تصدر اللجنة التنفيذية إرشادات للأعضاء لأخذ تداعيات القرار في الاعتبار، كما وأن الاتحاد يدرس قرارا بمقاطعة الجامعة العبرية". انتهى الخبر بكلماته المعدودة، غير أن تداعياته مازالت قائمة، مطلقة الجدل مجددا حول قضية  الحملة من أجل مقاطعة الجامعات الإسرائيلية، التي بدأت في بريطانيا منذ حوالي ثلاث سنوات.

      أصبحت المقاطعة بهذا القرار سياسة رسمية للاتحاد، الذي يمثل حوالي 48 ألف محاضر جامعي عضو فيه. بمعنى أن أعضاء الاتحاد لن يكون بوسعهم زيارة كلا الجامعتين أو التعاون معهما في مجال البحث العلمي، أو قبول دعوات لحضور مؤتمرات فيهما، أو دعوة أكاديميين إسرائيليين للمشاركة في نشاطات علمية وبحثية في بريطانيا، حتى تتوقفا عن استخدام الأراضي المصادرة من العائلات الفلسطينية، وإقامة كلية في مستوطنة في الأراضي المحتلة.

       وخطوة المقاطعة مبنية على خطة تقدم بها ستون من الأكاديميين الفلسطينيين والهيئات الثقافية، وهيئات المجتمع المدني بعنوان "الحملة الفلسطينية من أجل المقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل"، ومقرها جامعة بيرزيت، وناشدت فيها الأكاديميين البريطانيين بقطع العلاقات مع المعاهد والجامعات الإسرائيلية، فيما عدا تلك التي تنتقد السياسات الحكومية حيال الفلسطينيين.

       يبدو القرار أشبه بنصر حققه الفلسطينيون في وقت عزّت فيه الانتصارات، والنصر يكمن في كون القرار قد دفع بالموضوع إلى دائرة الاهتمام مرة أخرى بعد أن كاد يضيع في دهاليز السياسة البريطانية، رغم أنه لم يكن قرارا إجماعيا، وإنما كان هناك أساتذة اعترضوا على صدوره، واعتبر آخرون أنه تم تسيس الموضوع. وفي خطاب لصحيفة الجارديان، أعرب 250 أستاذا جامعيا عن قلقهم من القرار، لأنه على حد قولهم، لابد وان يكون هناك تدفق حر للأفكار بين الجامعات، وألا يكون للسياسة دخل بها.

      وكانت هناك محاولات ابتزاز من قبل مسؤولي السفارة الإسرائيلية ببريطانيا، الذين قالوا بأن "آخر مرة قوطع فيها اليهود كان في ألمانيا 1930"، في محاولة للربط بين ما يحدث في بريطانيا الآن وماحدث في ألمانيا هتلر، بل وتصوير الأمر وكأنه ضد اليهود وليس ضد سياسات الاحتلال الإسرائيلي. وثمة محاولات حثيثة من قبل اللوبي الصهيوني في بريطانيا لافتعال مناخ من معاداة السامية داخل الجامعات البريطانية. وكانت كلية الدراسات الإفريقية والآسيوية هي إحدى المعاهد التي وجهت إليها هذه التهمة.

       قرار اتحاد أساتذة الجامعات البريطانية لم يكن سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة من الإجراءات والمناشدات قام بها العديد من أساتذة الجامعات البريطانية بشكل فردي على مر السنوات الماضية في بادئ الأمر، ثم لم تلبث ان حظيت بزخم ودعم غير مسبوق كسر التابو حول كون إسرائيل، بسياساتها ومعاهدها ومؤسساتها، موضوعاً غير قابلة للنقد. بل وثمة نوع من الشجاعة الأدبية يمكن تلمسها في القرار، وهو كونه لم يخضع لابتزاز تهمة معاداة السامية، التي باتت تطلق بشكل روتيني من قبل آلة الدعاية الصهيونية ومناصريها في وسائل الإعلام ضد كل من تسول له نفسه انتقاد السياسات الإسرائيلية.

       وربما من المهم الإشارة إلى المرأة التي وقفت بقوة وراء صدور هذا القرار، وهي سو بلاكويل المحاضرة بجامعة برمنجهام، والتي كانت ترد على كل انتقاد يوجه لها لجهودها المتواصلة لإصدار القرار، بأنه: " من المستحيل أن تتعاطى مع أكاديميي هذه الدولة (إسرائيل) باعتبارهم مواطنين طبيعيين ينتمون لدولة طبيعية". وتمضي بلاكويل بعيدا في آرائها حيال إسرائيل نفسها التي تعتبرها "دولة غير شرعية"، وترى بأن القرار من شأنه أن يشكل قوة ضغط على إسرائيل، معتبرة أن السبب الرئيس وراء مؤازرتها لقرار مقاطعة المعاهد والأكاديميين الإسرائيليين هو كون تلك المؤسسات متورطة في الإساءة للفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وأنه من الضروري بمكان أن يقف اساتذة الجامعات ضد ما تصفه بـ"الدولة الأبرتايد". وتشير بلاكويل بكل شجاعة إلى" حائط الصمت العظيم والتواطؤ من قبل الأكاديميين الإسرائيليين" حيال ما يحدث. ولا تفهم كيف أن هؤلاء الأكاديميين لا يتفوهون بكلمة حول الاحتلال وهم يتوقعون أن يمر الأمر بشكل عادي، وأن يتم التعامل معهم على أنهم مواطنون طبيعيون من دولة طبيعية، يتوقعون أن يكونوا مرحبا بهم في المحافل الدولية وكأن شيئا لم يكن.

      تصريحات كتلك كان لها وقع الصدمة في الأوساط الثقافية والأكاديمية البريطانية، التي طالما غضت الطرف عن ممارسات إسرائيل بحق الفلسطينيين. وتضيف بلاكويل بأن من يزعمون بأن هناك حرية أكاديمية في إسرائيل ونقاشا حرا كما هو الحال في بريطانيا مخطئون، لأن الحرية الأكاديمية يسممها الاحتلال ويفسدها، والقلة من الأكاديميين التي ترفع الصوت منتقدة السياسات العنصرية الإسرائيلية تتعرض للعقاب.

      هذه الخطوة لم تكن سوى أحد أوجه النضال غير العنفي، وهي يجب أن تكون فاتحة لخطوات مشابهة تعتمد فعل الاحتجاج المدني ضد الممارسات الإسرائيلية ليس داخل الجامعات والمؤسسات التعليمية فحسب، بل ايضا في مختلف مناحي الحياة، مثلما كان الحال في دولة الأبارتايد بجنوب إفريقيا، حين لم تكن المقاطعة موجهة إلى الأكاديميين فقط، وإنما للرياضيين والفنانين ورجال الأعمال ايضاً، وقد لعبت النخبة الثقافية البريطانية دورا هاما في تعزيز تلك المقاطعة.

        إن مقاطعة المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية لن يعرض الحرية الأكاديمية للخطر كما يدعي معارضوها، وإنما هي تلقي الضوء على مدى تواطؤ هذه المؤسسات في تخطيط وتنفيذ السياسات العنصرية لدولة إسرائيل، إذ إن بعضا من هذه المؤسسات يقدم غطاء ودعما آيديولوجيا للاحتلال الإسرائيلي، والبعض الآخر يقدم خدمات استشارية للجيش والمؤسسة الأمنية. بل وتقوم هذه المؤسسات بأبحاث تبرر عمليات التطهير العرقي، والقتل من دون محاكمة، والفصل العنصري، ومصادرة الأراضي الفلسطينية. ولم يقم أي معهد أو جامعة إسرائيلية بمعاقبة أولئك الأكاديميين الذين تمتلئ أوراقهم البحثية بالكتابات العنصرية.

         ليس من المستغرب بطبيعة الحال أن يكون هذا حال المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية، ولكن هذا غيض من فيض أمور عديدة لا يعرف عنها الغرب الكثير، ومن المهم الإشارة إليها وفضحها في إطار عمل سلمي ومدني، يفتح النقاش مجددا في أوروبا ككل. وثمة بوادر نقاش حيوي حاصل في كثير من الدوائر الأكاديمية الأوروبية حيال هذا الأمر، مما يطرح التساؤل حول دور المؤسسات الأكاديمية العربية التي التزمت صمتا غير مفهوم حتى الآن حيال قرار المقاطعة. فلم نسمع تعليقا واحد تأييدا لهذا القرار الذي يتفاعل عبر دوائر عدة في أوروبا بل وفي الولايات المتحدة نفسها، التي قاد الطلاب في جامعات مثل هارفرد وبرينستون حملات للمطالبة بمنع جامعاتهم من التعامل المالي مع شركات لديها استثمارات في إسرائيل، وذلك لممارسة ضغوطات على إسرائيل للتوقف عن بناء المستوطنات.

      لابد أن تتم نقاشات داخل الدوائر الأكاديمية العربية حول كيفية التنسيق مع الجامعات الفلسطينية والأوروبية لرصد الانتهاكات الأكاديمية الإسرائيلية بصفة مستمرة لتعزيز قرار المقاطعة، ذلك أنه رغم أن نصرا صغيرا قد تحقق إلا أنه يجب أن يعزز، لأن هناك مقاومة لهذا القرار داخل بعض الدوائر الأكاديمية في بريطانيا وأوروبا. فالأمر ليس نهائيا، ومازالت هناك استحقاقات مهمة. لذلك، فإن الرصد المستمر لما يجري داخل المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية من تواطؤ مع السلطات. ومن المهم كشف كيف أن المؤسسات الأكاديمية، المفترض فيها أن تكون الضمير الأخلاقي لأي أمة، ليست في إسرائيل سوى جزء لا يتجزأ من المؤسسة الأمنية العسكرية. ويجب تذكير أولئك الذين يطالبون بحماية مصالح الأكاديميين الإسرائيليين، بحجم النفاق السياسي الذي يجعلهم يدافعون عن هؤلاء الأكاديميين ولا يظهرون ذات الاهتمام بحماية الشعب الفلسطيني الذي لا يستطيع أطفاله الذهاب إلى مدارسهم بأمان.  

التعليق