إسرائيل ونبوءَة الديموغرافيا

تم نشره في الخميس 28 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً

نشرت مجلة أتلانتك الأميركية ذائعة الصيت تقريراً مُفصلاً كتبه أحد محرريها المعروفين، وهو بنيامين شفارتس اليهودي الأصل، توقع فيه أن إسرائيل لن يتسنى لها الاحتفال بالذكرى المئوية لقيامها، مستنداً إلى دراسات ومعطيات تتحدث عن جملة من التغيرات الديموغرافية الحتمية التي ستشهدها فلسطين وإسرائيل خلال العقود القليلة القادمة .

ويؤكد شفارتس بأن الاحتمالات الماثلة في وجه الفلسطينيين والاسرائيليين قد تجعل النزاع بينهما أكثر تعقيداً مما يعتقد في هذا العالم. وربما جعلت التسوية النهائية بعيدة المنال أو حتى مستحيلة، لأن إحدى المعضلات الجوهرية التي تواجهها اسرائيل منذ تأسيسها، هي عدم قدرتها على التغلب على المشكلة الديموغرافية، على الرغم من العملية التي تجري على قدم وساق لاستقدام المهاجرين الجدد. وليس من المتوقع أن تحرز إسرائيل نجاحات حاسمة بخصوص هذه المشكلة في المستقبل القريب او البعيد.

ولأن العقبة الديموغرافية الكؤود كانت تمثل دائماً هاجساً مقلقاً، منذ عهد تأسيس إسرائيل، فإنها غير مرشحة للحل نظراً للزيادة الديمغرافية المتفوقة لدى السكان الفلسطينيين، والتي ستكون على حساب الدولة العبرية، إلا إذا تكفلت اطراف أخرى بالقبول بالشراكة، لوضع حلول مستقبلية يتفق بشأنها من خلال عملية التسوية السياسية لاستيعاب هذه الزيادة.

الواقع أن هذه المعضلة الإسرائيلية تطرح تحدّيين جوهريين على الأقل: التحدي الأول ينحصر في اطار ممكنات وضع تسوية نهائية لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وهي المشكلة المعقدة التي تفضل إسرائيل تأجيلها إلى مراحل نهائية من عملية التسوية، عبر اتفاقات مع الأطراف الدولية الفاعلة، وعلى رأسها الولايات المتحدة. وليس في العقيدة الخاصة لدى الاسرائيليين أي قبول لوجهة النظر الفلسطينية أو العربية بخصوص الاعتراف بحق العودة، الذي يعمق الهاجس الديموغرافي لديهم. كما ان استراتيجياتهم المعلنة والمدعومة اميركياً، تتمثل في اسقاط حق العودة النهائي للاجئين، وحل هذه المشكلة عن طريق مبدأ التعويض، الذي تتكفل به أطراف دولية، كما عن طريق الدخول بعملية توطين نهائية في الدول العربية المختلفة.

أمّا التحّدي الثاني، فيتمثل بكون أن الغلبة الديموغرافية الفلسطينية مُحاطة بحاضنة ديموغرافية قومية عربية تمثل الهوية الفلسطينية امتداداً طبيعياً لها، وهو ما لا يتوفر بالنسبة لإسرائيل الاّ عبر الهجرة اليهودية الجماعية التي لم تعد متوفرة، بسبب المكتسبات التي يحصل عليها اليهود في الغرب، مما لا يشجعهم على المغامرة في الدخول في مواطنة جديدة لدولة لم تشهد منذ لحظة قيامها مرحلة استقرار وأمن.

القضية التي لم تغب عن بال المؤسسين لإسرائيل، وكذلك عن بقية القادة المتعاقبين، هي أن الهوية الدينية التي صبغت مشروع الحلم اليهودي الصهيوني طوال فترة حياة الدولة تتعرض حتماً للتفكك والضياع مع تطاول الزمن. ومن المفارقات التاريخية أن تكون إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم المعاصر التي ما تزال تنهض وتقوم على أساس فلسفة هوية دينية وعرقية خاصّة.

نبوءة المستقبل تقول بأن إسرائيل لا يمكن أن تستمر دولة نصف ديمقراطية ونصف قومية ونصف كولونيالية، أو أن تكون قادرة على لم الشتات الخارجي لصناعة أو فبركة أمة عصية على التشكل، وبنفس الوقت تتعايش تاريخياً مع الخوف الذي يفرضه شعب يتمسك بفلسطينه التاريخية.

ونبوءة الديموغرافيا تقول بأن إسرائيل، باعتبارها مشروعا استيطانيا، ستبقى تعيش ثلاثة هواجس حتمية؛ هاجس الديموغرافية الفلسطينية المتفوقة، وهاجس الديموغرافيا العربية الغالبة، وهاجس صناعة أمة موحدة من هذا الشتات العصي على التوحد.

إن اللحظة الصهيونية المُولدة للحلم القومي اليهودي، هي لحظة توراتية كنعانية خلاصية، مدعومة برافعة مادّية غربية تحديداً، وهي لحظة مزيفة مهما امتد الزمن.

وقد كان اليهود اقلية تعيش آمنة مطمئنة في ظل الجغرافية الاجتماعية والسياسية العربية الإسلامية المتسامحة، طوال العصر الوسيط وحتى اوائل القرن العشرين، لا يُفتأت عليهم ولا تنصب لهم محاكم تفتيش أو محارق نازيّة أو هلوكوست جماعي. وعند انقضاء اللحظة التاريخية سيعودون على الأغلب إلى دورتهم السابقة، سواء تحقق ذلك بالديموغرافيا الفلسطينية، أو بعامل التحلل أو التفكيك النهائي للغيتو الجديد الذي صنعوه لأنفسهم.

التعليق