فكر إشاعة القلق

تم نشره في الخميس 28 نيسان / أبريل 2005. 02:00 صباحاً


   تنظيم القاعدة كقضية دولية، او جزء من حالة العمل الاسلامي القائم على استخدام القوة، لا يمكن اختزالها في الجانب الامني فقط. لكن مسار هذا التنظيم، وتحديدا في الساحات العربية، يمثل المقتل الحقيقي له، وتحويله الى نقيض ليس للقانون، بل لحق المواطن في الامن والامان والحياة الطبيعية، وان يأمن الانسان على نفسه واطفاله حين يدخل سوقا او مدرسة، او حتى وهو داخل بيته.


واذا كانت كل ممارسات القاعدة، ابتداء من تفجيرات نيويورك وما يجري من احداث عنف في عدد من الساحات العربية والاسلامية، قد لقيت رفضا وادانة حتى من الحركة الاسلامية ومعظم المفكرين، فان هذا لا يشكل فقط حالة الاغتراب لهذا التنظيم.

 فمشكلته الاساسية انه يخوض حربا ويمارس افعالا دون هدف نهائي، او ضمن رؤية سياسية او مشروع فكري متكامل.

 وحتى في الساحات العربية التي يمارس فيها التنظيم تفجيرات وعمليات اطلاق نار، فانه لا يمارس هذا بهدف اسقاط هذا النظام او ذاك، لان هذه الافعال لا تسقط دولا ولا تحدث تغييرا، وقتل اجنبي او مجموعة منهم، حتى وان كانوا خبراء عسكريين يعملون في عاصمة عربية، لن يغير الكثير من الوقائع، لكن ما يبقى هو تكريس فكرة اشاعة القلق وبث الرعب، ليس لدى جيوش اميركا بل لدى عامة الناس من اطفال وشيوخ ونساء.

 وهذا الفكر يعبر عن عبثية، او على الاقل غياب رؤية سياسية، وافتقارٍ الى اي خيارات باستثناء اطلاق النار على شرطي او قتل اجنبي او تفجير مجمع سكني او تجاري.


وحتى من الناحية العامة، فان القاعدة التي يقودها اسامة بن لادن لم تفعل شيئا ملموسا بعد احداث الحادي عشر من أيلول، وكل التهديدات التي اطلقتها لم تكن اكثر من حالة دفاع عن النفس.

 اما افغانستان، فان عوامل الفوضى فيها باقية لعوامل ذاتية، سواء ذهبت اميركا او بقيت، وما تبقى هو العديد من العمليات في شوارع وعواصم عربية لا تخدم اي قضية، ولا تحقق هدفا سوى محاولة القول انها موجودة.


لا يمكن تجاوز الفعل الايجابي الذي يمارس في العراق ضد الاحتلال الاميركي، لكن ما هو مؤكد ان هذا لم يكن عملا منسوبا الى قيادة القاعدة الموجودة نظريا في افغانستان، بل هي مبادرة جزئية من اشخاص قد لا يكونون على صلة تنظيمية بقدر ما هي فكرية، مع قادة القاعدة في افغانستان.

 لكن كل هذا لا يلغي اننا امام تنظيم لا مستقبل له من الناحية السياسية والشعبية، ومقياس المستقبل والنجاح ليس في قدرة افراده على الافلات من رجال الامن في اي عاصمة عربية، والنجاح في تفجير سوق او عمارة او قتل اجنبي، فهذا الامر يمكن النجاح به في العواصم المكتظة والظروف العامة، لكننا على يقين ان هذا التنظيم، بهذه الرؤية المحدودة والفكر القائم على التكفير وتعميم لغة الرصاص، لا يمكنه ان يفعل اكثر مما فعل.

 وحتى ان وجد تعاطفا شعبيا في بعض الاعمال، فان هذا لا يعني الشرعية او القدرة على بناء حضور يتناسب مع طبيعة الفكرة الاسلامية العامة.


وحتى اعجاب فئات بأسامة بن لادن، نتيجة تفجيرات نيويورك، يعود بالدرجة الاولى الى السخط من السياسة الاميركية وما تلحقه من ظلم بالشعوب العربية والاسلامية، ولان المزاج الشعبي يفرح لإيذاء اي ظالم. لكن هذا لا يمكن اعتباره انتصارا حقيقيا للقاعدة، فالعبرة بالمسار العام والرؤية التي يقوم عليها الفعل.


ولعل ما جعل القاعدة تذهب الى هذا المسار العبثي هو تأثرها، بل خضوعها لتجربة الجماعات المسلحة المصرية التي هاجر قادتها الى افغانستان، لكن هذه الجماعات لم تنجح في تحقيق مرادها حتى في صناعة القلق والخوف، وتحولت جذريا، وتركت العنف او هاجر بعض قادتها، ولم تعد تمثل حالة في الساحة المصرية، غير أن فكرها وطريقة عملها هي التي صبغت معظم افعال القاعدة في الساحات العربية المستهدفة.


خلل جذري في المنهج جعل من القاعدة نجما لمرحلة سياسية دولية، لكنه لم يحولها الى جزء من واقع التغيير والتأثير في الساحة العربية. وعاما بعد عام جذّر وجودها ملفا امنيا محليا واقليميا ودوليا في اقطار عديدة، لكنها تتحرك دون مشروع حقيقي.

وحتى البريق الاعلامي الذي كانت تصنعه اشرطة الفيديو الفضائية، لم يعد موجودا، فالعداء العام للسياسة الاميركية لا يعني شيئا اذا تمت ترجمته عبر اعمال عنف وتفجيرات في ساحات عربية.

 لكن كل هذا لم يصنع حالة مؤثرة، حتى وان كانت اقل سرعة وحضورا.


القاعدة مرحلة من مراحل العمل الاسلامي، لكنها لا تملك مؤهلات للتجذر، وهي اقرب الى المرور رغم كل اصوات التفجيرات واعمال القتل في بعض العواصم، حتى ان هذا يغطي على اي مسار معقول في مواجهة الاحتلال الاميركي للعراق.

التعليق