كلِّ يوم في حبِّك تزداد الممنوعات

تم نشره في السبت 23 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً

(كلِّ يوم بِحبِّك تزداد الممنوعات.. وكلِّ يوم بَحبِّك أكثر م اللي فات)
أحمد فؤاد نجم


في جميع أنحاء العالم تزداد مساحة حريَّة التعبير، وتُرفع القيود عن النشر والتفكير، ما عدا في عالمنا العربي؛ حيث تزداد الممنوعات والمحظورات والمكتومات. والمشكلة أنَّه لا يوجد منطق واضح محدَّد يحكم هذه العمليَّة، لكي يتكيَّف معها الناس ويعرفوا كيف يتحايلون عليها للتعبير عن أفكارهم ومكنونات صدورهم. ويضاف إلى ذلك أنَّه بينما المنع سياسة عامَّة في عالمنا العربي، فإنَّ أسلوب تنفيذه ليس مؤسَّسيّاً دائماً، بل يختلف بحسب اختلاف مسؤولي الرقابة الحكوميَّة، أو باختلاف مسؤولي المنابر الإعلاميَّة، ومن يوم إلى يوم. وكلّ هذا في الوقت الذي يكثر فيه الحديث عن الحريَّة والديمقراطيَّة في مختلف أنحاء العالم، ومن ضمنه العالم العربي.


ولقد بلغ أمر المنع حدَّ أنَّ ما كان مسموحاً نشره في عصر الدولة العربيَّة الإسلاميَّة القديم، أصبح ممنوعاً الآن في البلدان العربيَّة؛ بعضه في معظمها، وبعضه الآخر فيها كلّها. ومن أبرز هذه الممنوعات كتب الأدب الجنسي، على سبيل المثال، وهي كتب وُضعتْ ونُشرتْ بحريَّة وتفهُّم إبَّان ازدهار الدولة العربيَّة الإسلاميَّة، بينما هي ممنوعة الآن في جميع الدول العربيَّة؛ فتُطبع في لندن وغيرها من العواصم الأوروبيَّة على يد بعض دور النشر العربيَّة المهاجرة، ثمَّ تُهرَّب إلى العالم العربي لتُباع فيه سرّاً وبأسعار مرتفعة. ولم يكتب هذه الكتب أشخاص مشبوهون أو نكرات؛ بل أبرز رجال الفكر والعلم والدين في زمانهم؛ مثل التيجاني والسيوطي وسواهما، ومع ذلك فإنَّ منع طباعة ونشر وتوزيع هذه الكتب، وسواها من الكتب التراثيَّة، يتمّ الآن باسم الحفاظ على الدين والأخلاق والقيم والتقاليد "العربيَّة والإسلاميَّة".. الخ.


والأمر هو أنَّ الأمم عندما تكون في طور صعودها الحضاري تصبح أكثر ميلاً للانفتاح والتسامح وسعة الأفق؛ أمَّا عندما تكون في طور انحدارها، فتصبح عكس ذلك تماماً. ولقد بلغ من سعة أفق العرب في زمن ازدهارهم أنَّهم انفتحوا على الحضارات الأخرى التي سبقتهم؛ فترجموا منجزاتها وأقبلوا على دراستها بحماس وهمَّة ويقظة. في حين أنَّ العالم العربي الآن في آخر صفّ الأمم والدول والبلدان في مجال الترجمة؛ للغته أو عنها. إذ أنَّ مجموع ما يُترجم الآن في العالم العربي في سنة، لا يُساوي معدَّل ما يُترجم في بضعة أيَّام في أقلّ البلدان الأوروبيَّة تطوُّراً.

والأمر نفسه ينطبق على عدد المؤلَّفات المحليَّة المطبوعة والمنشورة لدينا. ولعلَّ هذا البعد هو الأهم بين أبعاد الفارق الحضاريّ بيننا وبينهم. وبالتالي فإنَّ أشدّ ما نحتاج إليه هو وقف آليَّة المنع المدمِّرة التي تنخر فينا الآن، وفتح الأبواب أمام الحريَّة والتسامح، وتشجيع التفكير المبدع وروح المبادرة. خصوصاً وأنَّ تعطيل حريَّة التعبير؛ ألغى إمكانيَّة الحوار الداخلي الضروري بين مختلف مكوِّنات المجتمع، وأدَّى إلى أن يسود، في سطح الحياة السياسيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة، الرأي الواحد النمطي الجامد الذي يفتقر إلى الحياة؛ حيث تصبح المساهمات "الفكريَّة" للكثيرين مقصورة على تكرار ما يعتقدون أنَّه الرأي المطلوب أو المقبول أو المهيمن. بينما يلجأ آخرون إلى استخدام صيغة التعميم؛ فيتحدَّثون، مثلاً، كما نفعل الآن، عن الوضع العربي برمَّته، وعن القضايا بعموميَّتها، ويستبدلون التسميات الطبيعيَّة السليمة للأشياء والأفكار والموضوعات بتسميات أقلّ دقَّة وأقلّ تعبيراً، متوهِّمين أنَّهم بذلك يستطيعون التعبير عن شيءٍ من أفكارهم ووجهات نظرهم. ولكنَّهم يجدون أنفسهم في الواقع وقد عبَّروا عن شيءٍ آخر لم يقصدوا التعبير عنه. وبالتالي فاستناداً إلى هذه الصورة الخادعة المزيَّفة، تنتفي إمكانيَّة تشخيص الواقع؛ ويكون الواقع "المشخَّص"، فعلاً، مغايراً للواقع الحقيقي. ومع ذلك فبناء على مثل هذا "التشخيص" تُبنى السياسات والتقديرات والخطط والبرامج والتوقُّعات. وهو ما يفسِّر الحال المتردِّي الذي نحن فيه الآن.
E-mail: qubailat@yahoo.com
  

التعليق