حدود "الإصلاح السوري"

تم نشره في الجمعة 22 نيسان / أبريل 2005. 02:00 صباحاً

يبدو السؤال مشروعاً حول مدى إمكانية قيام المؤتمر القطري القادم لحزب البعث السوري بالقيام بالإصلاح المطلوب؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي، وهي كذلك لدى معظم السوريين، فإن علينا قراءة التحولات السياسية التي يأتي ضمنها المؤتمر، وفيما إذا كان بالإمكان أن يفعل شيئاً ما.


إن كبر الإرث الذي تركه الرئيس حافظ الأسد لخليفته يجعل من سؤال الإصلاح بالنسبة إليه مصيرياً وحساساً وصعباً في نفس الوقت.

 فمصيريته تنبع من اهتلاك آليات النظام السابق بشكلٍ مفرط، بحيث يتطلب استمراره تجديداً واسعاً لمفاصله وطبيعة عمله. أما حساسيته، فتقوم على أساس أن التغيير المطلوب يشترط تغييراً هيكلياً في مؤسسات الحزب والدولة وفي الأشخاص القائمين عليها، مما يضع على المحك إمكانية استمرار النظام نفسه، وهذا هو مصدر الصعوبة.

 فتجديد النظام ذاته على الأسس نفسها أشبه بالمعادلة المستحيلة غير القابلة للحل.


على ضوء ذلك كله يمكن تفسير "المراوحة في المكان" التي وسمت النظام السوري منذ وصول الرئيس بشار الأسد إلى السلطة.

 فحصيلة الإعلانات والتصريحات والحوارات والبيانات التي بشّرت بالتطوير والتحديث - الذي أصبح شعاراً رسمياً - يبدو كبيراً جداً، سواء على لسان الرئيس نفسه أو أعضاء القيادة القطرية أو رئيس الوزراء أو الوزراء، لكن ذلك لا يعدو أن يكون سوى "ميديا" لأجل الاستهلاك المحلي.

فحجم التغيير الحقيقي الذي تم إنجازه على أرض الواقع يبقى ضئيلاً ومحدوداً جداً، ولا يتناسب مع الحجم الذي يأخذه في وسائل الإعلام. بل إن الأسد نفسه لاحظ في أحد حواراته أن المشكلة تكمن في حقيقة أن المراسيم والتشريعات الهائلة العدد التي جرى إصدارها لم تجد طريقها إلى التطبيق، متسائلاً هو نفسه أيضاً عن السبب في ذلك!


لقد تحفظ الرئيس بشار الأسد على استخدام مصطلح "الإصلاح" انطلاقاً من حساسية النظام السوري المعهودة منذ عهد الرئيس حافظ الأسد، تجاه العبارات التي تتداولها وسائل الإعلام، وإيماناً أيضاً أن النظام السوري في عهد "القائد الخالد حافظ الأسد"، كما تطلق عليه وسائل الإعلام الرسمية، لم يكن على خطأ حتى يحتاج إلى إجراء إصلاحٍ بعده، وإنما علينا أن نقوم "بالتطوير والتحديث"، أي تطوير ما كان قد بناه سابقاً، وتحديث هذه الأطر بما يتناسب مع معطيات العصر وتقنياته.

لذلك رفض الرئيس بشار الأسد مراراً الحديث عن "الإصلاح"، وكان يجيب باستمرار أن "المصطلح المعتمد لدينا في سورية هو التطوير والتحديث".


وهكذا يمكن التساؤل عن عدم إمكانية الإصلاح في ظل غياب الرئيس حافظ الأسد، الذي أرسى أسس هذا النظام ووضع قواعده، فهو الأقدر على القيام بالتغيير المطلوب لو أراد ذلك بجدية.

 ومثل هذا الأمر يضع خليفته أمام سيناريوهات جميعها مؤلم بالنسبة إليه وبالنسبة لمستقبل النظام، ليس أولها فرض الإصلاح من الخارج في ظل إدارة أميركية ذات أجندة ديمقراطية إمبريالية، وفي ظل عدم التعاون أو التفاهم السوري ـ الأمريكي بسبب رزمةٍ من المطالب، تبدأ بضبط الحدود مع العراق ولا تنتهي بوجود المنظمات الفلسطينية الموسومة من قبل الولايات المتحدة بالإرهاب، كحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، وهو خيار كان النظام السوري ولازال يُمعن في رفضه واصفاً القبول به بأنه يعني وصايةً تدخل في باب الإذلال الوطني والقومي.

 أما الخيار الآخر، وهو القيام بالإصلاح وفق شروطه الداخلية التي تشمل إجراء إصلاحات سياسية حقيقية، واتخاذ قرارات صعبة فيما يتعلق بالإصلاح الاقتصادي، فإن هذا الخيار سيجعل لسورية نظاماً من دون بعث، الأمر الذي يبدو مستبعداً تماماً في ظل حساسية التوازنات الأمنية والسياسية والحزبية للشخصيات التي تقوم وترعى مثل هذه المؤسسات.


لا إمكانية للإصلاح إذاً! إن الإجابة ستكون بنعم  ولا. نعم لأن خيارات الرئيس بشار الأسد، كما ظهرت خلال السنوات الأربع الماضية، لا تُوحي بأنه يمتلك الجرأة أو التصور اللازم والضروري للإصلاح المطلوب، كما أن الممانعة الأمنية والحزبية والبيروقراطية العامة الباهظة التكاليف ستحدُّ من أيِّ خيار إصلاحي إن لم تعدمه نهائيا.

 أما "لا"، والتي تعني إبقاء الباب مفتوحاً واحتمالياً أمام حصول مثل هذا الإصلاح، فإنها ستقود وتؤدي بالضرورة إلى القول إن الإصلاح ممكن ولكن مع تقديم قرابين كثيرة، تبدأ بالتضحية بحزب البعث عبر تجميد دوره أوتحويله إلى حزب سياسي كغيره من الأحزاب السياسية السورية، وهذا لن يتم بدون التضحية بالدستور أيضاً الذي أعطى حق قيادة الدولة والمجتمع له.

 وبالتوازي مع ذلك يجب أن تكون هناك عملية تبادلية ومتوازية عبر تقليص وتخفيض، وأحياناً إنهاء، الصلاحيات المعطاة للأجهزة الأمنية ووضعها في يد نظام قضائي مستقل ونزيه، لا يمكن لإصلاح أن يتم بدونه. بل يمكن القول وبدون مبالغة، إن مرتكز الإصلاح المنتظر وعصبه إنما يتكئ على المؤسسة القضائية بوصفها الضامنة لمؤسسات الدولة، والقادرة على القيام بعملية التحويل الضرورية، من دولة استبدادية شمولية إلى دولة يحكمها القانون وتسيّرها المؤسسات الشرعية.


إن هذا السيناريو الإصلاحي يمكن أن يقوده فريق إصلاحي داخل السلطة ذاتها (لا وجود له حتى الآن) بالتعاضد مع معارضة ديمقراطية غير أيديولوجية لا يؤقت خطواتها السعي إلى السلطة بقدر ما يحدد حركتها الهدف الوطني في بناء دولة الحق والقانون، ضمن إطار ديمقراطي قائم على مبدأ التداول السلمي على السلطة.


وإذا كان من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، في عالم ما بعد الحادي عشر من أيلول فصل الداخلي عن الظروف الإقليمية والدولية المحيطة، فإن التفكير بها مليّاً من زاوية وطنية تحكمها المصالح العليا للشعب السوري، قد يدفعنا إلى القول إن هذه الظروف ربما تصب في إطار المساعد والمهيئ للقيام بالإصلاح اللازم، ولن تكون معيقة أو معرقلة.

 صحيحٌ أنها ستصطدم بخيارات وطنية وقومية ذات حساسية فائقة بالنسبة للشعب السوري سيّما على صعيد القضية الفلسطينية، إلا أن امتلاك أوراق إقليمية مساعدة، مع لحمة وطنية داخلية ضرورية، وحماية أوروبية كافية، سيمكننا من الاحتفاظ بخياراتنا الوطنية الداخلية والتفاوض بشأن المطالب الإقليمية الأخرى، بما سيعزز بلا شك، ويزيد الرصيد الوطني للمصالح السورية.


التفكير بالمستقبل إذاً هو الذي يدفعنا اليوم للتفكير في مآلاتٍ تبدو في المستقبل المنظور ذاته مستحيلة، لكنها تصبح ممكنة في ضوء صيرورة التاريخ والحراك الاجتماعي الديناميكي الذي يمدّنا دائماً بالأمل.


كاتب سوري

التعليق